﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ووذره لهم في طغيانهم إنما يكون في الدنيا، ولأنه قال قبل هذا: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ …﴾ (^١) إلى قوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ (^٢). فذكر أنه يستدرجهم بالنعم ويملي لهم في الإنظار ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٣) فذمهم على عدم التفكر ثم قال بعده: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ أي لو هداهم ووفقهم للنظر في ملكوت السموات والأرض لكان منهم ذلك، والهداية منه والتوفيق إنعام وإفضال، وله ترك الإنعام والإفضال ولا يكون (^٤) ذلك منه جورًا ولا بخلًا. ويدل على صحة قولنا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ (^٥) أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٦) والمراد بهذه الآية ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة في الإسلام، ولكن يضل من يشاء عن الإسلام فيحرمه التوفيق والتسديد إليه، ويهدي من يشاء أي يوفقه ويسدده إلى الإسلام، فقيد الإضلال والهداية لمن يشاء ولم يقيد بعمل من عامل استحق (^٧) الإضلال أو الهداية بعمله (^٨) وليس كذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (^٩) فإن ذلك إخبار عن قوم بأعيانهم كفروا وصدوا عن سبيله فأضل أعمالهم، ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا ..﴾ الآيات إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ (^١٠).
(^١) الأعراف آية (١٨٢ - ١٦٨).
(^٢) الأعراف آية (١٨٥).
(^٣) في - ح- (فلا يكون).
(^٤) في كلا النسختين (لجعلهم) وهو خطأ.
(^٥) النحل آية (٩٣).
(^٦) في - ح - (استحقوا).
(^٧) في النسختين (بعلمهم) والأصوب ما أثبت لاستقامة الكلام.
(^٨) سورة محمد ﷺ آية (١).
(^٩) في كلا النسختين (من) والصواب ما أثبت.
(^١٠) الإسراء آية (٩٠ - ٩٧).