انسان، حیوان، آلة: بازتعریف مداوم طبیعت انسانی
الإنسان والحيوان والآلة: إعادة تعريف مستمرة للطبيعة الإنسانية
ژانرها
تعتبر أسطورة بيجماليون بلا شك التجلي الأول لموضوع اتخاذ الكائن الاصطناعي شريكا، أو زوجة في هذا الموقف، مما سمح لمصمم هذا الكائن بالتخلص من وحدته. ولكن الأسطورة لا تقدم جالتيا بصفتها بديلة للمرأة أو امرأة من صنف أدنى، فلن تكون في هذه الحالة الملاذ الأخير لرجل ترفضه النساء ومحكوم عليه بحب امرأة اصطناعية، بل هي أكثر جمالا وجاذبية في نظر النحات من كل البنات الحقيقية في مملكته. ويبدو أن النهاية السعيدة تظهر أنه يجب ألا نبحث عن درس أخلاقي سلبي في هذا النص؛ فقد كان الإغريقيون يدينون التكبر والتجاوزات وانعدام المسئولية، بالإضافة إلى حماقة إيكاروس أو انتهاك أوديب للأعراف الاجتماعية. ولكن بيجماليون ليس من بين هؤلاء فهو موهوب ومتواضع وقد يكون أيضا ورعا؛ فكل ما كان يتمناه هو السعادة فقط. (2-3) في ظل الحركة الرومانسية، الكائنات الاصطناعية تصبح أشياء مرغوبة ولكن مرفوضة
لماذا يعتبر حب آلة أو الرغبة فيها صادما في يومنا هذا؟ فقد مرت الحركة الرومانسية بهذه المرحلة! ففي عام 1816 في الوقت الذي كانت ماري شيلي تعمل على كتابة روايتها «فرانكنشتاين» كان إرنست هوفمان يقص في «الرجل الرملي» نسخة جديدة من أسطورة بيجماليون. ولكنه نسي حماسة الإغريقيين وصارت جالتيا في ظل الرومانسية بديلة وخدعة لا تستطيع رؤيتها إلا أعين مغرمة. وفي الإطار ذاته اقترح فيلييه دوليل آدم في «حواء المستقبل» في عام 1886 مغامرة مأساوية جديدة وكان موضوعها هو تشكيل امرأة مثالية. وعبر هذه القصص استكشفت الحركة الرومانسية السحر الجنسي الذي تضمه أسطورة بيجماليون، فالمرأة الاصطناعية تعتبر هنا وهما. ويرى هؤلاء المؤلفون أن الإنسان الذي يفتن بهذه الخدع هو مدان بصورة مزدوجة؛ فهو الإنسان الحديث الذي لا يكترث بمبادئ الطبيعة والمنخدع بالتقنيات الحديثة، وبالإضافة إلى ذلك هو يستبعد نفسه من المجتمع باشتهاء شيء مرغوب ولكن مرفوض. (2-4) مع تطور صناعة الروبوتات والذكاء الاصطناعي، أليس من الممكن أن نصل في المستقبل إلى تصميم هذا الكائن المثالي الذي تصفه الروايات؟
منذ حوالي عشرة أعوام أحرز تقدم بالغ فيما يتعلق بالحركات والمعدات والوجود والعواطف الاصطناعية. ويحاول بعض الباحثين في اليابان تصميم روبوتات واقعية جدا يصعب تمييزها عن الإنسان، ويحاول البعض الآخر استكشاف طريقة نشأة العلاقات بين الإنسان والآلة عبر لوغاريتمات تسمح للروبوتات بالاختلاف بعضها عن بعض وفقا لطريقة تفاعلنا معها، إلا أن الروبوت «المستنسخ» من الإنسان لا يزال بعيد المنال. وبالإضافة إلى ذلك يظهر لنا تاريخ الكائنات الاصطناعية أن عدم كمال الكائن هو دائما ما يجعله ممتعا. ففي الروايات لا تكون الكائنات الاصطناعية من سلالة جالتيا نساء، بل نساء ينقصهن شيء. وغالبا ما تنبع الإثارة الجنسية تجاه الكائن من غياب الاستقلالية لديه ومن سلبيته. وبذلك ليس من المؤكد على الإطلاق أن تصبح الآلات التي تتقدم في محاكاتها للإنسان مرغوبا فيها بصورة أكبر.
لن تكون روبوتات المستقبل مجرد كائنات تشبه الإنسان في شكلها، كما نجد في أفلام الخيال العلمي. وقد تتحول الأشياء التي تملأ حياتنا اليومية إلى روبوتات؛
3
فثمة مساحة كبيرة لحرية التصميم، فيختلف نوع العلاقات من أداة إلى شريك، ومن شيء عملي إلى شيء مرغوب فيه، فالرغبة في إنشاء نساء اصطناعية أسطورة من قديم الأزل، ولكن في يومنا هذا، يعكس ذلك انعدام الخيال. وفي الواقع لا تزال أمامنا اختراعات عديدة.
الفصل الثاني عشر
الهوية
(1) هل نحن نعتبر حيوانات؟
هل يعتبر الإنسان حيوانا؟ إنه بلا شك سؤال قديم جدا يشغل الإنسانية منذ بداياتها.
صفحه نامشخص