158

أما في الجانب الآخر فقد حمل الآخيون، المدرعون جيدا تليبوليموس إلى خارج ساحة الوغى، وأبصر ذلك أوديسيوس العظيم، فغلى مرجل غضبه بين أحنائه، وأخذ يسائل نفسه: هل يطارد بعد ذلك ابن زوس الذي يرعد عاليا، أم الأفضل أن يزهق روح عدد آخر من اللوكيين؟ بيد أنه لم يكن مقدرا لأوديسيوس العظيم القلب أن يقتل بالبرونز الحاد ابن زوس الشجاع؛ ولذلك حولت أثينا فكره نحو جيش اللوكيين. فقتل «كوبرانوس» و«الاستور» وخروميوس والكاندروس وهاليوس ونويمون وبروتانيس، ومع ذلك فقد كان في إمكان أوديسيوس العظيم أن يقتل عددا أكثر من اللوكيين لولا أن لمحه هكتور العظيم ذو الخوذة البراقة، فانطلق خلال مقاتلي الصفوف الأمامية، مرتديا البرونز الملتهب، ومسببا فزع الدانيين. فسر لمجيئه ساربيدون، ابن زوس، وتوسل إليه بعبارات الاستعطاف قائلا: «يا ابن بريام، لا تحملني مشقة الرقود هنا فريسة للدانيين، بل مد إلي يد المعونة، وبعد ذلك، إن لزم الأمر، دع روحي تفارق جسدي في مدينتك، إذا كان غير مقدر لي أن أعود إلى بيتي في وطني لأدخل السرور على نفس زوجتي العزيزة وابني الرضيع.»

هكذا قال، ولكن هكتور ذا الخوذة البراقة لم يفتح فاه بكلمة يرد بها عليه، بل سارع، تواقا بمنتهى النشاط، إلى دفع الأرجوسيين إلى الوراء، وإلى إزهاق أرواح كثيرين منهم. وجاء زملاء ساربيدون شبيه الإله، الأجلاء، وأجلسوه تحت شجرة بلوط جميلة، من أشجار زوس حامل الترس، وتقدم بيلاجون الشجاع، وانتزع الرمح الدرداري من فخذه، فخارت قواه، وهبطت على عينيه غمامة، ولكنه لم يلبث أن أفاق، وهبت عليه الريح الشمالية بنسيمها، فأعادت إليه الحياة بعد أن كاد يلفظ روحه بصورة محزنة.

أما الأرجوسيون، فأمام هجوم أريس وهكتور المتدثر بالبرونز، لم يحاولوا الهروب إلى سفنهم السوداء، كما أنهم لم يستطيعوا الصمود في القتال، بل ظلوا يتقهقرون عندما بلغهم أن أريس موجود وسط الطرواديين.

ترى، من كان أول المقتولين، ومن كان آخرهم، على يد هكتور بن بريام، وأريس البرونزي؟ كانوا: تيوثراس، شبيه الآلهة، ثم أوريستيس، سائق الجياد، وتريخوس، رماح أيتوليا، أوينوماوس، وهيلينوس، ابن أينوبيس، وأوريسبيوس ذو الحزام المتألق الذي كان يسكن في هولي على حدود البحيرة الكيفيسية، يرعى ثروته رعاية عظيمة، وكان يقيم بقربه آخرون من البيوتيين ذوي الضياع البالغة الثراء.

إصابة إله الحرب!

غير أنه لما تنبهت الربة «هيرا» ذات الذراعين البيضاوين إليهما وهما يعيثان فسادا بين صفوف الأرجوسيين في الصراع المرير، أسرعت في الحال تقول لأثينا: «ويحي، يا ابنة زوس حامل الترس، الحق أننا وعدنا مينيلاوس دون جدوى، فلن يستطيع العودة إلى وطنه إلا بعد أن يكون قد اجتاح طروادة المتينة الأسوار، إذا تركنا أريس المخرب يعيث بهياجه هكذا. هيا تعالي، كي نفكر سويا في ذلك القتال الطاحن.»

وإذ قالت ذلك، لم تحجم الربة أثينا ذات العينين النجلاوين عن أن تستمع إليها. وعندئذ أخذت هيرا، الربة الجليلة ابنة كرونوس العظيم، تسير جيئة وذهابا، تسرج الجياد ذات القلائد الذهبية، وبسرعة ثبتت «هيبي» العجلات المستديرة البرونزية إلى جانبي العربة، تلك العجلات ذات البرامق الثمانية المتصلة بالسرة الحديدية. وكانت «أباسيط» تلك العجلات من الذهب غير القابل للفناء، ومن فوقها إطار من البرونز، يبهج الناظرين، كما كانت محاور العربة الفضية تدور حول هذا الجانب وذاك. أما هيكل العربة فكان مجدولا بإحكام بشرائط من الذهب والفضة، وينتهي بحافتين تحيطان به. كما كان يخرج من مقدم الهيكل قضيب من الفضة، ربط إلى طرفه النير الذهبي الجميل، وألقت فوقه سيور الصدر الجميلة الذهبية، ثم أمسكت هيرا بالنير، وقادت الجياد السريعة الأقدام، أشد ما تكون اشتياقا إلى النضال وصيحة الحرب.

غير أن أثينا، ابنة زوس حامل الترس، تركت ثوبها الناعم يسقط في حجرة أبيها، ذلك الثوب الفاخر الوشي، الذي نمقته بيديها، وخاطته بنفسها. وارتدت عباءة زوس، حاشد السحب، وتسربلت في حلة مدرعة للحرب، وعلقت حول كتفيها الترس ذا الأهداب، الذي يبعث الرعب والفزع، وقد توج بتاج دائري يتألف من آلهة الشغب، والكفاح، والشجاعة، والمطاردة التي تجمد الدم في العروق، ورأس الوحش المفزع - «الجورجون» - المثير للرعب والذعر، والذي يستخدم بمثابة «طيرة» لزوس حامل الترس. ووضعت فوق رأسها الخوذة ذات القرنين والحليات الأربع، المصنوعة من الذهب الخالص، والمزينة بصور محاربي مائة مدينة.

ثم ركبت العربة الملتهبة، وأمسكت برمحها الثقيل، الضخم، المتين، الذي أبادت به صفوف الرجال - من المحاربين الذين غضبت عليهم، هي نفسها، ابنة الملك القوي - وبسرعة لمست هيرا الجياد بالسوط، وإذ ذاك اصطفت على مفصلاتها - من تلقاء نفسها - أبواب السماء التي كانت تقوم ربات الساعات بحراستها، أولئك الربات اللواتي تعهد إليهن السماء العظيمة وأوليمبوس، بأن يفتحن الأبواب للسحب الكثيفة أو يغلقنها.

وخلال تلك الأبواب ساقت الربتان جيادهما التي تحتمل المناخس بصبر، فوجدتا «زوس» جالسا بعيدا عن الآلهة الآخرين فوق أعلى قمة من ذؤابات أوليمبوس العديد القمم. عندئذ أوقفت الربة هيرا، البيضاء الذراعين، الجياد، وتوجهت بالسؤال إلى زوس الأعلى، ابن كرونوس، قائلة: «أبتاه زوس، ألست حاقدا على أريس بسبب تلك الأعمال العنيفة، ولأنه أباد مثل ذلك الجيش اللجب العظيم من الآخيين، بطيش وبغير سبب معقول، الأمر الذي يحزنني، بينما تطرب «كوبريس» و«أبولو» ذو القوس الفضية، لأنهما أطلقا هذا الرجل المأفون الذي لا يراعي أي قانون؟ أبي زوس، ألا تغضب مني لو أنني ضربت أريس بطريقة محزنة وطردته خارج ميدان القتال؟»

صفحه نامشخص