812

وأما المعوذة الثانية: فلأن قوله تعالى: {قل أعوذ برب الناس، ملك الناس} إلى قوله: {من شر الوسواس الخناس} يدل على أن العبد كإبليس مؤثر في أعماله، وإلا لم يصح التعوذ منه، إذ لا يصح التعود من الجبل الذي يقع فيه ما يتعوذ منه فليفهم، وأما قوله فدل على أن لهم مدخلا، فإقرار لمذهب خصمه، ويبقى دعواه بأن ذلك المدخل هو الكسب في حين المنع فضلا عن أن ذلك المدخل ليس إلا مجرد التوهم الباطل كما يواري المعترض حيث قال: أن العبد يتوهم أن له قدرة مؤثرة وأختيارا، فالعجب كل العجب ممن يرضى أن يأتي مجادلة خصومة العقلاء العلماء بمثل هذه الخرافات بلا حياء، ويعتقد أن توهم العبد للقدرة المؤثقرة والإختيار في الفعل أمر محقق وراء هذا التوهم الباطل، ويدور عليه التكليف، ويصير سببا للأمر والنهين وإسناد العمل، وقد دل كلامه هنا على أن الإسناد لايصح إلا إلى من له في الفعل مدخل، وهذا خلاف أنبأنا عنه كلامه السابق من أنه لاحكم للإسناد، وسيصرح بأنه لايقتضي أكثر من المحلية، وعلى رأيه هو ليس هناك إلا التوهم الفاسد، فقد رفض هذه المدخلية بالجملة، بل قد صرح بذلك في توجيه شبهة العلم على أن كلامه مضطرب فتارة ينفي المدخلية ولا يعترف بأكثر من التوهم الفاسد الذي مرجعه إلى العدم المحض، وتارة يعترف بالمدخلية؛ لكنه يقول أن التأثير والمدخلية استقلالا ليس بحاصل للعبد.

ثم قد علمت قاعدته في معنى الإستقلال فحاصل كلامه اضطراب وسراب، وبنيانه آيل إلى الخراب.

وأما قوله: سببه صح أن يكلفوا، فتصريح عجيب مما نفاه من الحسن والقبح، وتحكيم العقل، كما قال: وذلك أن القول بأنه لا يصلح التكليف إلا إذا كان للعبد مدخلا في الفعل، إنما يصلح لمن يقول بالحسن والقبح، وحكم العقل، كالمعتزلي، أما الأشعري كالمعترض وأمثاله فلا يتوجه منه البحث عن صحة التكليف، ولما لا وهم إذا نوزعوا إنما يقولون فيما يتذرون {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } فأين غفلت يا أخا الأكراد عن قاعدتكم القائمة ومجادلتكم الدائمة؟

صفحه ۹۱۴