احتراس از آتش نبراس جلد اول
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
فقوله ما خلقتم يدل على ذلك لايقال إنما هو تهكم بهم، وكل ما كان كذلك لم يدل على ذكر بل على نقيضه؛ لأنا نقول: لو سملنا التهكم فليس إلا في قوله أحيوا لا في قوله ما خلقتم، إذ لو كان في قوله ما خلقتم أو في مجموع الجملتين لكان معناه أحيوا ما خلقه غيركم؛ لأن الخلق هنا إما أن يكون متناولا لتحصيل تلك الصور أولا إن كان الأول كان الكلام حينئذ متصمنا لتنزيههم عن التصوير، وقد كان الذم والتوبيخ والتهكم من أجله هذا خلف، وإن كان الثاني فكذلك؛ لأنه لم يتعلق الذم والتوبيخ بتصويرهم بل بالخلق، وقد فرضنا أنه أي الخلق لم يتناول تحصيلهم للصور ولم يطرق إليه بوجه، فهم بمعزل عنه وعن دعواه فليفهم، وأيضا فالحديث المذكور تقبيح وذم لفعل تلك الصور؛ لكن الأشاعرة مجمعون على أنها أي الصور من فعل الله ابتداء بلا واسطة[409]كسب العباد؛ لأن الكسب لا يتعدى عن محله إلى مثل تلك الصور أصلا كما سيجيء بيانه باعترافهم، وإنما الذي يتعدى إلى مثل الصور المذكورة هو التأثير أعنى الحاصل عن القدرة المؤثرة في الفعل، وحينئذ فلا نزاع لهم في أن تلك الصور إنما حصلت بالخلق والتحصيل لا بالكسب، وهم لا يخالفونا في في أن التقبيح والذم إنما كان من أجل العقل لتلك الصور، وقد عرفت أن فعلها لا يكون إلا خلقا إجماعا ولا يتصور كونه كسبا، فلزم أن الذم لأصحاب الصور من أجل أنهم خلقوها وحصولها فافهم هذه النكته الجليلة النافعة فإليها نساق الحديث وبها تعرف أن الأحاديث الكثيرة التي ف ذم المصورين أقوى الحجج على المعترض وأصحابه الأشاعرة، وأنه يلزم على مذهبهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما دخل الكعبة وغيرها فيها من التصاوير قد غير خلق الله تعالى ودخل في زمرة الذين قال فيهم إبليس {ولامرنهم فليغيرن خلق الله} وحاشاه صلى الله عليه وآله وسلم، وأيضا فالتوبيخ .......وهم أعني المصورين ليس إلا من أجل أنهم صوروا صور الحيوان الذي لا يحيه إلا الله تعالى، فمناط الذم والتوبيخ والتهكم دائر على الحياة ولا تعلق له بمطلق التصوير، ولهذا لم يرد النهي بحرمة التصوير لغير الحياون بل قال كثير من العلماء بأن مالا يحيي مثله في العادة لا يجب تغيير صورته ، فبين أن مرجع الذم والتوبيخ والتهكم إلى هذا المعنى وأنه ليس إلا في قوله أحيوا لا في قوله ما خلقتم؛ لأنه قد أضيف فعل الصور إليهم فيلزم أنهم خلقوها وحصولها أي تلك الصور كما عرفت فلا يكون التوبيخ في هذه الجملة خلقتم ولا في مجموع الجملتين معا وإلا لتعلق الذم بمطلق التصوير حتى تصوير الشجر، والحجر، وسائر .......والصانع والأوضاع من العمارات والمأكولات المصنوعة، ولذا قال بن الأثير في المثل السائر في وصف التمر ما نصه: وأحسن من ذلك أنه معدود من الحلوى وإن كان من ذوات الغراس، ولا فرق بينهما سرا أنه من خلق الله، وتلك من خلق الناس. انتهى.
فإن قلت أنه قد روي في الجامع الكافي عن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم أن رجلا سأله عن أفعال العباد فقال: هي من الله خلق ومن ...........فعل لا تسأل عنها أحد بعدي.
صفحه ۸۸۰