احتراس از آتش نبراس جلد اول
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
وأما أن كون العلم عقب النظر بمخص خلق الله عادة فهو من أشهر مذاهب الأشعري، وإنما رغب عنه مثل إمام الحرمين، والإمام الرازي وغيرهم كما رغبوا عن مذهنبا في مسألة الأفعال، فأن المأخذ واحد والأصل هو ذلك الأصل بعينه كما عرفته آنفا، ولهذا قال الكاتبي شارح التجريد: إن هذا المذهب أي أن العلم بالمقدمتين علة للعلم بالنتيجة أو مستلزم له، لا يصح مع القول باستناد جميع الممكنات إلى الله تعالى اتبداء، وإنما يصح إذا حذف قيد الإبتداء وجواز أن يكون لبعض آثاره تعالى مدخل في بعض بحيث يمتنع تخلقه عقلا، فيكون بعضها متولدا عن بعض، وإن كان الكل واقعا بقدرته انتهى، وأراد به أن مثل مذهب الباقلاني، والأستاذ، والجويني، والإمام الرازي ومن تبعه يلائم مذهب الأشعري القائل بأن جميع الممكنات مستندة إلى القدرة القديمة ابتداء، لكن الرازي والأستاذ، وإمام الحرمين وغيرهم مصرحون بخلاف مذهب الأشعري في الأفعال، وسيأتي إن شاء الله، فلا إشكال، فضلا عن الحاجة إلى التوفيق في المقال، وهاهنا نكت لم أعثر في كتب الفريقين على ذكرها، وهي أن المذاهب الذي ذهب إليه الأشعري يستلزم أن العالم النتيجة الحاصلة عن المقدمتين ليس هو العبد الذي .... الباري سبحانه وتعالى، وهذا الإلزام ليس من قبيل ما أنكره سعد الدين على النضير الطوسي، وما أنكره المعترض على المؤلف فيما سيجيء إن شاء الله تعالى من قوله ويلزم أن يجعلوا الله تعالى ......كافرا ...إلخ فإن مثل ذلك الإلزام دائر على الألسنة مسطور في أكثر الله في أكثر كتب الفن، وسيأتي وجهه إن شاء الله، وإنما المراد من هذه النكتة أنه قد تقرر في مذهب الأشعري أن كل ما كان خارجا عن محل قدرة العبد فإنه [374] لا يكون له مكسوبا إذ الكسب لا يتعلق بغير ما يكون في محل قدرته كما سيأتي بيانه من مؤيدا بالعقل عنه وهو من الأمور المعروفة عندهم لا ينكره أحد من محققيهم، ولا يخفى أن العلم الحاصل عن المقدمتين أعني العلم بالنتيجة ليس في قدرة الناظر دفعه بعد علمه بالمقدمتين على الوجه الأكمل، فالأشعري إن أنكر ذلك وادعى التمكن من ترك العلم الحاصل عن المقدمتين لم يبق له دليل على وجوب النظر شرعا؛ لأنه إنما يجب؛ لأنه هو المفضي إلى المعارف الإلهية، ولا يتصور إفضاؤه إليها مع التمكن من ترك العلم الحاصل عنه، وإن اعترف بعدم التمكن منه كما هو الحق، فلا كسب فيه أصلا، فلا يكون هو العلم؛ لأنه لا يكون عالما إلا إذا كان كاسبا، ولا يكون كاسبا إلا كان متمكنا، وإن قال: بأنه في محل القدرة كما يقوله أصحابنا، فلنقل: بأنه يمكن العقل من تركه ونقل مابه متولد عن النظر كما يقوله جمهور أصحابنا، وكلما كان متولدا لم يقدح فيه كون العبد غير متمكن من تركه، لكنه لا يقول بواحد من هذين الأمري، أما التوليد فظاهر، وأما التمكن فضروري، ولذا ألزمه الاسفرايني بما مر، ومذهبه أيضا لا يأبى ذلك فتبين بهذا أنه بزمه لزوما ظاهرا أن العالم هو الله تعالى لا العبد، ولعل أمثال هذه النكتة هي التي حققت عند الأستاذ وإمام الحرمين، والإمام الرازي وغيرهما أن مذهب الشيخ الأشعري في هذا الشأن واضح البطلان.
فإن قلت: أن العبد العالم قد قام به العالم من دون تصور خلاف في ذلك، وكلما كان كذلك كان هو العالم حقيقة؛ لأن الموصوف بالشيء هو من قام به الشيء، لا من حصله؟
قلت: هذه مصادرة باهرة، وأيضا فإذا المعتبر في صحة إسناد الشيء إلى العبد هو كونه قائما به، ومحلا له وليس أمرا وراء ذلك فقد سقط زعم الأشعري أن المصحح للإسناد إليه هو كونه كاسبا ويضل الفرق بين العبد والجماد بلا مقال.
صفحه ۸۰۴