احتراس از آتش نبراس جلد اول
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
وأما على الاختيار الثاني فلأن تخلف الحكم بالقبح للمانع المذكور لا يقدح في كون الكذب يقبح لكونه كذبا، ولا يلزم منه ألا يحكم على شيء من الأقوال الكاذبة بالقبح لاحتمالات بعيدة وتجويزات ضعيفة وإلا لارتفع الأمان والثقة بجميع المدركات كما ذكرناه، ولنضرب لك مثالا للقياس الشرعي فإنه لا يجوز أن يكون بلا جامع معلوم بين الحكمين فلو ذهب إنسان إلى أن يقيس حكما على حكم بعلة مجوزة غير معلومة كان سفيها لا فقيها ، ولذا منع بعض التحول من القياس بتخريج المناط نظرا إلى أن مرجعه إلى توهم كونه العلة علة، والمطلوب المعتبر في القياس هو تشخصها أو تعينها لا بطريق التجويز، والتوهم الذي يضمحل عند التحقيق، بل نضرب لك مثالا عقليا حسبما لما يكاد يطرو على فؤادك وتتميما لمرادك فنقول: قد تقرر في قضايا العقول أن من وقف تحت الجدران المائلة التي قد ظهرت عليها أمارات الخراب ولوائح السقوط فإنه ملوم مذموم عقلا بخلاف من وقف تحت جدرات صحيحة لا أمارة فيها ولا ميل ظاهر عليها فإنه لا يذم ولا يلام، بل لو امتنع من الوقوف تحتها تجويزا لسقوطها ذمه العقلاء ولامه على ذلك، وربما نسبوه إلى انحراف المزاح وتغيير الحسن وسوء التخلي فإن مثل هذا إنما يكاد يجري بصاحب السرسام ومن يتصور ما لا يكون، فعرفت أنه لا عبرة بالتجويزات والاحتمالات البعيدة، وإنا إذا قلنا: هذا الفعل حسن؛ لأنه خال عن أمارة المفسدة فلا نريد إلا الأمارات الظاهرة القائمة الصحيحة لا المجوزة، والساقطة والمحتملة بنوع من الاحتمال [357] وإلا لأدى إلى نفي حكم العقل رأسا وعدم الثقة بشيء من الأشياء لا نفيا ولا اثباتا فحفظ هذا فإنه مهم جدا، وسنعيده في مواضع بأنه باب من الأبواب التي جهلها الخصوم فاحتاجوا إلى اقتحام أسوار العباد وأحتالوا عن أطوار العقول فركبوا كل فساد.
ثالثها: أن نقول: لا نسلم حسن الكذب منعا لانتفاء اللازم أيضا لما لا يجوز أن يكون التعريض كافيا عن الكذب القبيح في نفسه وكذا التورية معنية عن رذيلة الكذب أيضا، وأن في المعارض وجه وقد وردت بذلك السنة النبوية الصحيحة ووقع من الأنبياء عليهما السلام كما قال من قال منهم: {إني سقيم} تعريضا بأنه سقيم القلب من شركهم وحالهم العظيم، وكما قال: {بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون} وغير ذلك مما لا ينكره المخالفون، وهذا الوجه من وجوه الجواب هو الذي اقتضاه أوائل الأصحاب، وعولوا عليه في واقع هذه الشبهة، وأشار إليه جار الله رحمه الله تعالى في الكشاف أول تفسير سورة البقرة،واعتمد عليه الإمام المنصور بالله قدس الله روحه كما يؤخذ ذلك من كلامه في كتابه الشافي، وقد كرر هذا المعنى فيه، وكذا جعله ابن القيم طريق من طريقي الجواب عنده، والطريق الثاني ما تقدم له معنى في الكلام على النسخ فراجعه، وحاصله أي الطريق المذكور أن تخلف التحريم عن الكذب القبيح لا يخرجه عن كون ذاته منشأ لمفسدة ومرجعه في الحقيقة إلى الوجه الثاني الذي أوردناه آنفا أعني منع الشرطية مع مستندها فتأمل.
صفحه ۷۶۶