674

وأما ثانيا: فلأن الحكم عند الأشاعرة غير الحكم عند المعتزلة فكم يتحد محل النزاع، بل بين الوصفين بون بعيد فإن المعتزلة لا تثبت الحكم الذي تدعيه الأشاعرة أصلا فضلا عن وصفه لما عرفت من نفيهم في الكلام النفسي، وليس الحكم الشرع إلا إياه عند الأشاعرة فأين هو من الحكم الذي تقول به المعتزلة وتثبت كونه عقليا أي مما تدركه العقول، إما باستقلالها، أو باعلام الشارع وإيقاضها من سنة الغفلة، وأكثر مواضع النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة هكذا لا تكاد تتخلص إلا لمن تفحص، ومن ذلك خلافهم في القدرة الحادث فأن القدرة التي تقول الأشاعرة بمقارنتها للمقدور عدم تأثيرها فيه غير القدرة الحقيقية التي تقول المعتزلة بتقدمها عليه وتأثيرها فيه إذ هذه هي القدرة، وتلك ليس لها إلا اسم القدرة، بل هي مجرد اصطلاح فقط كما عرفت، فلم يتوارد القولان على محل واحد، ومن ذلك الكلام فإنما تدعيه الأشاعرة ومن يحذوا حذوهم من الكلام النفسي ليس بحث المعتزلة بصدده وغير ذلك كثير، وسنشير إلى ما لاحت الإشارة إليه في مواضعه إن شاء الله تعالى، لكن بقى شيء يحسن هنا إيراده لينبه اللببيب المنصف على فاسد مذهبهم في نفي الحسن والقبح، وهو: أن الملحدة أقمأهم الله لما طعنوا في القرآن تشبثوا بما فيه من الدلالة على المتناقضات، وقالوا: لو كان من لدى حكيم عليم لما كان كذلك، وأنتم أيها الجمهور من المسلمين تقولون: أن تكاليف الخلق قاطبة مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به أهل كل مذهب ويستدلون على مذهبهم، فالجبري يتمسكوا بآيات الجبر كقوله تعالى: {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا}، والمعتزلي يقول: هذا مذهب الكفار بدليل أنه تعالى حكى ذلك عنهم في معرض الذم لهم في قوله: {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر}، وفي موضع آخر: {وقالوا قلوبنا غلف}، وذمهم أيضا في مثل قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا}، {لو شاء الرحمن ما عبدناهم}، ومنكر الرؤية يتمسك بقوله: {لا تدركه الأبصار} ومثبتها يتمسك بقوله تعالى: {إلى ربها ناظرة}، ومثبت الجهة يتمسك بقوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم}، وقوله: {الرحمن على العرش استوى}، ونافيها [353] يتمسك بقوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، وثم إنا نراهم يسمى كل فريق منهم ما يوافق مذهبه من الآيات محكمة، ويسمي ما يخالفه متشابهة، وإنما رجع في ترجيح بعض الآيات على بعض لترجيحات خفية ووجوه غامضة ضعيفة، فكيف يليق بالحكيم العليم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كل الدين إلى يوم القيامة هكذا موجبا للمجبرة للإفهام والموصلة للإقدام، وما حكمته في إنزال المتشابهات بين آيات الأحكام، هذا هو تحرير ما قاله المحلدة الطاعنين في القرآن الذي لا يأتي الباطل من بين يديه ولا من خلقه، ولما وردت منهم هذه الشبهة المشتبهة ما رجع الأشاعرة إلا إلى الاعتماد على ما أجابت به المعتزلة فقالوا: واللفظ للرازي كما نقله عنه الجلال الأسيوطي أن العلماء ذكروا لوقوع المتشابه في القرآن فوائد:

صفحه ۷۵۷