399

وأما ثامنا: فلأن قوله: بإيراد الحجج مستدرك أيضا مع قوله علم بأمور إذ ليست تلك الأمور إلا الحجج والشبة وما يتبعها من المسائل، فإن الاقتدار لا يكون إلا مع العلم بها، أما لو أريد غيرها لم يثبت الاقتدار أصلا، كما لا يخفى فإذا ثبت أن تلك الأمور هي الحجج الموردة والشبة المدفوعةلم يبق حاجة إلى قوله: بإيراد الحجج... إلخ بل يكون مفسدا للكلام؛ لأنه يصير معناه هكذا علم الحجج يقتدر معه على اثبات العقائد الدينية على الغير بإيراد تلك الحجج ودفع تلك الشبة، هذا مع ما في العبارة فاسد؛ لأن العقائد أيضا عبارة عن تلك الحجج وإلا لم يصح قوله: على الغير؛ لأنه لا يكون الاثبات على الغير إلا للحجج لا لنفس الاعتقادات القائمة بالنفس، فإذا يكون تعريفه هكذا، علم الحجج يقتدر معه على اثباتها على الغير، وإيرادها عليها... إلخ، فافهمه، فإن فيه تقدم الشيء على نفسه وكون ثبوته حجة على ثبوته، ولو اقتصر على قوله: يعتذر معه على اثبات العقائد الدينية من دون زيادة لكان أقل خللا، ولو أغمضنا على هذا ففيه فساد آخر لأنه لا يشمل ما كان الاقتدار معه على دفع الشبة فقط عن الحجج الثابتة بين علماء الكلام مما كانت الشبه والحجج في طرفي نقيض بحيث يكون دفع الشبهة نفسه إثباتا للحجة -أي بيانا بالثبوتها لما تقرر في المذهبين إذا كان في طرفي نقيض كان ابطال أحدهما اثباتا للآخر نظرا إلى ما اعتمده المناطقة في مثل فياس الخلف -أي ما يقصد اثبات المطلوب بابطال نقيضه- لما أن النقيضين لا يرتفعان.

وأما تاسعا: فلأنه لا يشمل ما كان الاقتدار فيه على تقرير الحجج أو تحريرها أو توجيهها أو نحو ذلك من الأمور المذكورة في أدب البحث والمناظرة، وإن كان ذلك يسمى اثباتا مجازا فلا نسلم جواز المجاز في التعاريف الكلامية، فإنما صرحوا بجواز المجاز في تعاريف الأدبية، لا نسلم لمناد بين بذلك؛ ولأنه من مطالبهم فهو في الحقيقة عند غيره.

صفحه ۴۴۶