1111

وإذا وضح هذا فليس في الأمة من يزعم أن له الحجة على الله تعالى إلا المجبرة فلو أن الله تعالى أوقف عبدا منهم للحساب وقال له لم عصيت وكفرت لقال: انت يا رب الذي أوجدت ذلك وأثر......... وأما أنا فلا تأثير لي في شيء ولا اختيار، فلو قال له تعالى إنما لمتك لأنك كنت كاسبا وإن لم تكن مؤثرا حيث صرفت قدرتك إلى الكفر والعصيان ولأنك محل للكفر ومتوهم أن لك قدرة مؤثرة واختيارا، لقال الجبري: أنت يا رب الذي جعلتني كاسبا وأنت الذي خلقت صرف القدرة مني إلى الكفر مع أن قدرتي ليست مؤثرة وأنت يا رب الذي خلقت في توهم القدرة المؤثرة والاختيار، وأنت الذي صيرتني محلا للكفر فأنا بريء عن كل جهة من جهات الفعل القبيح والضلال الصريح، وأنت المؤثر في إيجاده والمحصل له برمته مع أنك قد سميت نفسك بالرب وقلت إنك رب العالمين، ولا شك في أن الرب لكونه مربيا مبلغا لمن هو رب له إلى مدارج كماله تدريجا لا يكون منه الإضلال والإفساد والإغراء لمن هو رب له، فكيف كان ذلك منك يا رب، ثم إذا كان منك كيف يكون منك ذمي ولومي وتعنيفي على ما لا أثر لي فيه وإنما هو من آثارك وهل يكون الرب المبلغ للشيء إلى كماله وصلاحه مبلغا له إلى غاية فساده ونقصه ومعاقبا له على ما لا أثر له فيه أصلا، وحقك ما ينبغي أن يكون الأمر هكذا، فلو قال تعالى أنا مالك أفعل ما أشاء فلي أن أوجد الكفر منك ثم أعاتبك عليه، لقال: نعم يا رب أنت مالك ولكن قد سقط معنى كونك ربا رحيمارؤوفا، أما الأول فلأن الرب لا يكون إلا مصلحا لمن هو رب له لأن التربية إبلاغ الشيء إلى غاية كماله وصلاحه تدريجا لا إبلاغه إلى غاية وباله وفساده، وأما ثانيا فلأن مقتضى الرحمة والرأفة عدم الجبر على المعصية والكفر المستلزم للعقاب والذم واللوم الشديد وكما سقط معنى الربوبية والرحمة والرأفة قد سقط عني اللوم مطلقا ولم يبق لعقابك وعتابك لي وجه إلا الماليكة على ما قلت وليست المالكية وجها في عقاب المملوك بلا أثر منه في المعصية وليس من شأن المالك لا سيما إذا كان عدلا حكيما أن يعذب عبده لمجرد كونه مالكا، فلو قال تعالى أنا مالك لا كسائر المالكين لأن لي الحكم ولي المثل الأعلى، لقال: ذلك يا رب أبلغ في تعاليك عن عقاب العبد الضعيف وأوضح في غناك عن قهره وعتابه وعقابه فيما لا أثر له فيه فإن سائر المالكين قد يفتقرون إلى الظلم وإظهار الغلبة والاستعلاء بقهر الضعفاء لحاجتهم إلى الترفع والتكبر وجهلهم بمواقع الأشياء ومقادير الضر وأما أنت يا رب فأنت الغني العليم الحكيم فلا تصنع شيئا في غير موضعه ولا يخفاك مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا تظلم أحدا وقد قلت وأنت أصدق القائلين: {إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} فأين الظلم الواقع مني لنفسي ولا قدرة لي على شيء من الآثار فإذا لم يقبح [588] نقصا في صفة قديمة هي الكلام فهذا أيضا يستلزم نقصا في صفة قديمة هي الإرادة القديمة، كيف جاز يعذبني على هذا الوجه ولم يجز الخلف في الوعيد فلم لا تؤثر رحمتي على عذابي ثم إذا لم يقبح منك عذابي بناء على أنه لا حسن ولا قبح فمن أين يحسن فعلك وحسنه إنما جاء من حيث كونك مالكا لكن حسن تصرف المالك في ملكه إنما يثبت على قاعدة الحسن والقبح وإلا جاء الدور فمالك يا رب لا تنصفني في مجادلتي عن نفسي وأنت الذي وضعت الموازين القسط ليوم القيامة إظهارا لإنصافك الذي لا يوازنه المنصفون تعالى الله عما يقول الظالمون وسبحان ربك رب العزة عما يصفون.

لا يقال: هذا متيسر كيف ومقام القيامة مع الملك الجبار أعظم من أن ينطق لسان الإنسان فيه ببعض هذا الجدال المقرر على هذا الوجه وإن كان حقا في نفسه.

صفحه ۱۲۴۲