1097

ومنها ما نبهناك عليك أول الكتاب من أن الجبرية قائلون بالإيجاب من حيث لا يريدونه، فإن كنت في شك من ذلك فارجع إلى ما أجابوا به على شبهة الفلاسفة لما نازعوا في قدم العالم وقالوا بالإيجاب إذ لا يتصور صدور القديم بالاختيار فلزمهم نفي الاختيار بالمعنى الحقيقي عن الباري تعالى فافتقروا إلى تصحيح قاعدتهم والقدح في قاعدة المتكلمين، فمما أوردوه على المتكلمين كما حكوه عنهم أن القدرة والإرداة متعلقان في الأزل بأشياء معينة فهي واجبة الصدور وإذا كانت واجبة كان نقيضها ممتنعا وكلما كان كذلك كان القول بأنه تعالى إن شاء فعل وإن شاء ترك مردودا، وقد تقرر أن التغير في صفاته تعالى ممتنع وأن عدم القديم محال، وتقرر أيضا أن كل قديم لا اختيار فيه أعم من أن يكون ذلك القديم وجوديا أو عدميا، وإذا كانت القدرة والإرادة وتعلقهما قديمين لا تغير فيهما ولا اختيار فأين الفرار عن الإيجاب أين الفرار، فأجاب الأشاعرة بأن وقوع الفعل بعد تعلق القدرة والإرادة واجب، ثم زعموا أن هذا الإيجاب لا يقدح في الاختيار بالمعنى المذكور.

وهذا كلام منهم ليس فيه أكثر من التزام الإيجاب كما لا يخفى على ذوي الألباب لا سيما مع تصريحهم أي الأشاعرة بأن إرادته تعالى تتعلق لذاتها لا لأمر آخر، وتصريحهم أيضا بأنه لا مرجح عندهم وراء الإرادة بناء منهم على نفي الحسن والقبح عقلا، وقد سبقت إشارة إلى ذلك في أوائل الكتاب، ولأجل هذا أشار سعد الدين وغيره إلى قوة كلام الفلاسفة وليس ذلك إلا صح بالنظر إلى مذهب الأشاعرة خاصة دون العدلية.

صفحه ۱۲۲۷