926

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

مناطق
الجزایر

وأشهدوا ذوى عدل منكم

وقوله

ممن ترضون من الشهداء

وقوله تبارك وتعالى

واستشهدوا شهيدين من رجالكم

لما كثر المؤمنون، وقيل { ذوا عدل منكم } ذوا عدل من أقاربكم المؤمنين أو آخران من غيركم ذوا عدل من المؤمنين الذين ليسوا بأقارب لكم، وهو قول الحسن وعكرمة، والزهرى والشافعى، ومالك وأبى حنيفة، وقد فسر أبو موسى الأشعرى، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ويحيى بن معمر، وأبو مجلز، وابراهيم، وشريح، وعبيدة السلمانى، وابن سيرين، ومجاهد { ذوا عدل منكم } بعدلين من المسلمين { وآخران من غيركم } بعدلين من المشركين. قال بعض لأن الآية نزلت ولا مؤمن الا بالمدينة، وكانوا يسافرون بالتجارة مع أنواع المشركين، فقال أبو موسى، وشريح، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، وابن سيرين، وهو قول ابن حنبل ان شهادة الكافرين على المسلمين جائزة على الوصية فى السفر للضرورة غير منسوخة، وقال جماعة منسوخة، ومعنى العدالة فى المشرك وأهل البدع والأهواء اجتناب الكذب، وما حرم عليه فى دينه، واحتج من قال غير منسوخة بأن المائدة آخر ما نزل، وأما شهادة المشركين على المشركين من جنسهم، أو ممن دونهم فجائزة لا على من فوقهم، وبسطت فى الفقه ذلك وبهذا قلنا نحن وأبو حنيفة ومنعها مالك والشافعى. { إن أنتم ضربتم فى الأرض } سافرتم فى الأرض، ولا يخفى ان أنتم فاعل لمحذوف الأصل ان سافرتم، فحذف الفعل وانفصل الضمير المتصل، وأجاز غير البصريين كون أنتم مبتدأ، ونسب للأخفش أيضا بناء منهم على أنه يجوز كون الشرط جملة اسمية. { فأصابتكم مصيبة الموت } أى قرب أن تموتوا. { تحبسونهما من بعد الصلاة } توقفونهما من بعد صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع الناس، واجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار فى الأرض، ولأنه أوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاهدين فى واقعة الآية بعد صلاة العصر، ولأن أهل الأديان كلهم يعظمون ما بعد العصر، ويجتنبون فيه الحلف على الكذب. وعن الحسن بعد الظهر أو العصر، لأن أهل الحجاز يقعدون للحكومة بعدهما، فكذا من يقعد لها بعد صلاة الفجر يوقفهما بعد صلاة الفجر، وأما الليل فلا حكم فيه الا لمسافر أو فى أمر السجن، فحينئذ يكون لضوء نار، وان كانا مشركين أوقفا بعد الصلاة التى يصليها أهل دينهما، وجملة تحبسونهما نعت لآخران، أو حال منة بنعته بقوله { من غيركم } ويقدر مثله لاثنان، وجواب ان محذوف، أى فليشهد اثنان ذوا عدل منكم وآخران من غيركم، وجملة الشر وجوابه المحذوف معترضة بين النعت والمنعوت، أو الحال وصاحبها، وقيل يقدر الجواب فليشهد اثنان من غيركم ليفيد الاعتراض أنه ينبغى أن يشهد اثنان منكم، فان تعذرا للسفر فمن غيركم، ويجوز أن يكون تحبسونهما من بعد الصلاة مستأنفا جوابا لقول القائل كيف نفعل ان ارتبنا فى شهادة الشاهدين.

{ فيقسمان بالله إن ارتبتم } ارتاب الوارث منكم فى شهادتهما، ودل على جواب هذا الشرط ما قبله مع ما بعده. { لا نشترى به ثمنا } الجملة جواب القسم الذى هو يقسمان، وهاء به عائدة الى الله أو الى القسم المدلول عليه بيقسم، والثمن متاع الدنيا، ونكر لأنه قليل مستحقر أيا ما كان، ولا سيما اذا استبدل بالله عز وجل، أو بالقسم، والمعنى لا نحلف كاذبين لغرض مال نأخذه، وفصل بين القسم وجوابه بقوله { إن ارتبتم } لتقيد اختصاص القسم بحال الارتياب مع ايضاح وتأكيد باتصاله بالقسم على طريقة العرب، وتقديم بعض الأشياء على بعض للاهتمام، ولو آخر ان ارتبتم عن قوله { لا نشترى به ثمنا } الى آخره لم يظهر كل الظهور انه قيد ليقسمان. وظاهر الآية أنهما يقولان فى يمينهما والله لا نشترى به ثمنا الى قوله { لمن الآثمين } ، ولعل المراد أن يقولا ما تضمنه هذا اللفظ أن يقول كل واحد منهما فى يمينه أنا صادق فى شهادتى لم أزد فيها شيئا ولم أنقص على القول أن الاثنين شاهدان على الوصية، وأنى أمين فى أمر الوصية ما كتمت وما ضيعت شيئا مما سلم الى من المال، لا على القول بأن الاثنين وصيان، ويعظهما القاضى بأن يقول لهما اتقيا الله ولا تحلفا كاذبين لمتاع من الدنيا قليل، فان اليمين الكاذبة تذر الديار بلاقع، فيقولان معاذ الله أن نتبدل بالحلف أو باسم الله ثمنا قليلا فنحرف الحق من أجله. { ولو كان } المشهود له. { ذا قربى } قريبا فى الرحم، وجواب لو مدلول عليه بقوله { لا نشترى به ثمنا } وهذا يقوى أن الاثنين الشاهدان الوصيان، فلا يشهدان له زورا بما يضر المشهود عليه، ومن قال الاثنان الوصيان، قال ضمير كان عائد الى الميت، والمراد ولو كان الميت ذا قرابة من الوصيين، فلا يقولان اننا ممن يكون حقيقا بماله لقريتا فنكتم منه، والله أعلم. { ولا نكتم شهادة الله } أى الشهادة التى أمرنا الله باقامتها وتعظيمها، ونهانا عن كتمها وتحريفها. { إنا إذا لمن الآثمين } المذنبين، ومعنى قوله { إذا } حين الكتم أو اذا كتمنا، ويحلفان حيث كان الحكم من القاضى وان كثر المال الذى اختلف فيه، فحيث يعظم مثل ما بين الركن والمقام لمن بمكة، وعند المنبر فى المدينة لمن كان بها، وعند الصخرة لمن فى بيت المقدس، وفى سائر البلاد فى أشرف المساجد وأعظمها. قال الشافعى ان اليمين تغلظ فى الدماء والطلاق والمال اذا بلغ مائتى درهم بالزمان والمكان، فالزمان بعد العصر، والمكان هذه المواضع المذكورة، ثم أن يمين الشاهدين منسوخ ان أريد فى الآية الشاهدان، وان أريد الوصيان فلا نسخ فيحلفان الى الآن ان اتهمهما فى الوصية أو فيما بين أيديهما.

[5.107]

فإن عثر اطلع وهو مبنى للمفعول ولا ضمير فيه، به نائب الفاعل هو قوله { على أنهما استحقآ إثما } استوجبا نسبة الاثم أى الذنب اليهما لفعلهما ما هو ذنب كالتحريف والكتم، كذا ظهر لى، وأعجب من قول القاضى فعلا ما أوجب اثما، وتأوله بأنه أراد تفسير الاثم بلازمه وهو العقاب، ثم رأيت ما ذكرته وجها ثانيا فى الكشاف، لكن ذكر أولا ما ذكره القاضى، فيحتاج لهذا التأويل الذى أولت به كلام القاضى والضميران فى أنهما استحقا للاثنين أو آخران. { فآخران } مبتدأ أى فشاهدان آخران، فمسوغ الابتداء بالنكرة كونها بعد فاء الجواب، وكونها نعتا لمحذوف، وكونها منعوتة بقوله { من الذين استحق عليهم } وساغ الفصل بالخبر، لأن مجزوم الجزاء أزال كون الخبر أجنبيا من الموصوف، والخبر هو قوله { يقومان مقامهما } أو آخران فاعل لمحذوف أى فليقم الشهادة شاهدان آخران، وجملة يقومان مقامهما نعت لآخران، أو حال من منعوته المحذوف. { من الذين استحق عليهم }أى من الذين أخذ غيرهم ما لهم من الحق فيما يقولون، وادعاه غيرهم أنه حق له وهم الورثة. { الأوليان } تثنية أولى بفتح الهمزة واسكان الواو، بمعنى أقرب أو أحق، فالمعنى الأقربان الى الميت بالرحم والنسب أو الأحقان بالميت لقرب الرحم والنسب، أو الأحقان بالشهادة، وذلك أن الأقرب أعرف بمال الميت، وأمره والأوليان بدل من آخران أو من ألف يقومان، أو خبر لمحذوف أى هما الأوليان، أو مبتدأ خبره آخران، ويقومان صفة آخران وكذا من الذين، أو من الذين حال من ألف يقومان، أو آخران مبتدأ والأوليان خبره لجواز الأخبار بالمعرفة عن النكرة المخصصة. قرأ حفص، وعلى، وأبى وابن عباس، استحق بالبناء للفاعل، فيكون الأوليان فاعل استحق، ومفعول استحق فى هذه القراءة محذوف تقديره استحق الأوليان التخصيص بالشهادة، أى من الورثة الذين استحق عليهم الرجلان اللذان هما أقرب الورثة التخصيص بالشهادة، أى استحقا على سائر الورثة أن يخصوهما بأن يشهد المزيد قربهما. وقرأ حمزة، ويعقوب، وعاصم فى رواية أبى بكر الأولين بفتح الهمزة واسكان اللام قبلها وفتح الواو مشددة وكسر اللام بعدها وفتح النون على أنه نعت الذين، أو بدل الذين، وقرىء الأولين بهذا الضبط الا اللام بعد الواو فمفتوحة، والياء فسكونها حى، والنون فمكسورة تثنية، والقراءة التى قبل هذه جمع، ونصبه فى هذه على المدح. وقرأ الحسن ببناء استحق للفاعل والأولان بهذا الضبط الا أنه بالألف مكان الياء على أنه فاعل استحق، ومعنى الأولية فى القراءات الثلاث بتشديد الواو تقدمهم على الأجانب فى الشهادة، لأنهم أعلم بأحوال الميت. { فيقسمان بالله لشهدتنآ أحق من شهادتهما } أولى بأن تقبل اللام لام جواب القسم، أو لام الابتداء، والجملة جواب يقسمان، وأحق اسم تفضيل على بابه لاحتمال أن يكون شهادة لكن استحقا اثما حقا، ولأن من الناس من يميل اليها ويقول انها حق لكونها نفعا له.

{ وما اعتدينا } ما جاوزنا الحق فيها، ولا فى اقسامنا عليها. { إنآ إذا } اذا اعتدينا، لو اعتدينا، او اذا اعتدينا لو كنا ممن يعتدى. { لمن الظالمين } الواضعين الشىء فى غير موضعه، بأن وضعنا الباطل موضع الحق، أو الناقصين حظ أنفسهم وحق غيرهم، روى أن تميم بن أوس الدارى، وعدى بن زيد خرجا فى تجارة من المدينة الشام وهما نصرانيان، ومعهما بديل بن أبى مريم، قيل هو من بنى سهم، أى هو مولى فيهم، وكان مسلما مولى عمرو بن العاص، قيل كان من المهاجرين، ولما وصلوا الشام مرض بديل، فكتب كتابا فيه جميع ما معه من المتاع، وألقاه فى متاعه ولم يخبرهما بالكتاب ، ولما اشتد وجعه أوصى اليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه الى أهله اذا رجعا الى المدينة. وفى رواية ابن عباس أنهما خرجا الى الشام قبله بتجارة، وقدم عليهما وهما فى الشام بتجارته، وكان تميم بعد اسلامه يقول يرى الناس كلهم من هذه الآية الا اياى، وعدى بن زيد، ثم انه لما اشتد وجعه وأوصاهما مات، ففتشا متاعه فوجدا فيه اناء من فضة منقوشا بالذهب فى وسطه ثلاثمائة مثقال فضة فغيباه وباعاه بألف درهم، وقسماها لكل واحد خمسمائة، وهو أعظم تجارته قصد به الملك، كان تميم يخبر بذلك كما رواه ابن عباس. ولما قضيا حاجتهما من الشام انصرفا الى المدينة، فدفعا المتاع الى أهله ففتشوه، فوجدوا فيه الكتاب، وفى الكتاب ذكر الاناء والمثاقيل وماله كله، فجاءوا اليهما فقالوا هل باع صاحبنا شيئا من متاعه؟ قالا لا. قالوا فهل اتجر تجارة؟ قالا لا. قالوا فهل طال مرضه فأنفق شيئا على نفسه؟ قالا لا. قالوا انا وجدنا فى متاعه صحيفة فيها تسمية ما كان معه، وانا فقدنا اناء من فضة مموها بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضة، قالا لا ندرى انما أوصى الينا بما وصلكم، وما لنا علم بالأناء، وفى رواية ما ترك غير هذا، ولا دفع علينا غيره، فخاصموهما الى النبى صلى الله عليه وسلم فأصرا على الانكار، فنزلت الآية

صفحه نامشخص