925

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

مناطق
الجزایر

وكما قيل كان الرجل ليسلم فيقال له سفهت آباءك وضللتهم، وكان ينبغى أن تنصرهم فنزلت الآية، وبهذا قال ابن زيد، وقيل لا يضركم من ضل اذا اهتديتم هى فى معنى اهتداء المرء فى نفسه، وفى عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لكن شرط عدم القدرة على الأمر والنهى وهو مشكل، لأنه يوهم أنه ان لم يهتد ضره ضلال من ضل، ولو لم يقدر عليهما، وليس كذلك فانه اذا لم يقدر انما يضره عدم اهتدائه فى نفسه لاضلال غيره، ولا يدل على هذا التفسير قوله صلى الله عليه وسلم

" ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى اذا رأيتم شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة، واعجاب كل ذى رأى برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام فان من ورائكم أيام الصبر، فمن صبر فيهن قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم فقال رجل يا رسول الله أو خمسين منهم؟ قال " لا بل خمسين منكم "

لأن هذا الحديث صالح لما فسرت الآية أولا أيضا ومثله قول ابن مسعود رضى الله عنه امروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قبل منكم فان رد عليكم فعليكم أنفسكم، ثم قال ان القرآن نزل منه أى قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، أى نزلن فى أمر مضى ومنه، أى وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه أى قد وقع تأويلهن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه، أى يقع تأويلهن فى آخر الزمان ومنه، أى وقع تأويلهن يوم القيامة وهو من ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة لم تلبسوا شيعا، ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، فاذا اختلفت قلوبكم وأهواؤكم، ولبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فيأمر نفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. ومثله ما قيل لابن عمر لو جلست فى هذه الأيام فلم تأمر، ولم تنه، فان الله يقول { عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } فقال ابن عمر ليست لى ولا لأصحابى، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

" ألا ليبلغ الشاهد الغائب "

فكنا نحن الشهود، وأنت الغائب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا ان قالوا لم يقبل منهم. ومثل ذلك ما روى أن الحسن قرأ هذه الآية بحضرة ابن مسعود فقال اللهم لك الحمد عليها وعلى أشباهها، فقال ابن مسعود قولوها ما قبلت منكم، فاذا ردت فعليكم أنفسكم، وما روى أن شيخا من أهل دمشق قال كنا قعودا بالحلبية فى مجلس فيه كعب وأبو الدرداء، فجاءهم رجل فسلم فجلس، فقال ان رأيت أمرا فكرهته لله فخائف أن تعاقب وتنكل.

فقال رجل من القوم اقبل عليك ودع الناس عنك ان الله قال فى كتابه { يآ أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } فقال كعب رضى الله عنه لا تطعه ذب عن محارمك ذب عن دينك حتى يقع تأويل هذه الآية، فقال أبو الدرداء متى يقع تأويلها؟ قال اذا بنيت كنيسة دمشق. ويضر مرفوع مستأنف مع لا النافية قبله، ويدل لذلك قراءة أبى حيوة لا يضركم من ضار يضير بمعنى ضر، اذا لو جزم فى قراءة أبى حيوة لسكنت الراء فلحذفت الياء للساكن بعدها، وأجيز أن يكون مجزوما فى جواب اسم الفعل، وهو قول مجيز الجزم فى جواب اسم الفعل الطلبى، ولو لم يكن فيه لفظ الفعل، أى ان ألزمتم أنفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم، ولا فى الوجهين نافية، وأجيز أن تكون ناهية وتضم مجزوما، وضم الراء تخلصا من التقاء الساكنين. وكان من التخلص بالضم تبعا لضم الضاد، وتدل له قراءة من قرأ لا تضركم فتح الراء فانه مجزوم قطعا، والفتح تخلص من التقاء ساكنين تخلص به لخفته، ولولا أنه مجزوم لضمت الراء، ولو ضم لاحتمل كما مر، ولما فتح تعين الجزم وبدل للجزم أيضا قراءة من قرأ لا يضركم بكسر الضاد واسكان الراء وقراءة من قرأ لا يضركم بضم الراء واسكان الراء من ضار يضور بمعنى ضر يضر كضارة يضير. { إلى الله مرجعكم جميعا } حال من الكاف، لأن المضاف الى الكاف مصدر، والمصدر يدل على الحدث، وصالح للعامل، فلم يضر مجىء الحال من المضاف اليه المبتدأ لصحة تقييد عامل صاحب الحال هنا بالحال لدلالته على الحديث، لا كمثل زيد مما لا يدل على الحديث، أو معنى الفعل اذا وقع مبتدأ لا يجىء الحال منه، ولا مما أضيف اليه على المشهور. { فينبئكم بما كنتم تعملون } وعد ووعيد للفريقين، فللمؤمن المهتدى وعد، وللضال وعيد، ومن بصر الله قلبه لا يعد ذنبه غائبا لا يرجع، أو ينسى فانه ولو غاب عن قلبه فهو محفوظ عند الله سيحضر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" أيها الناس انكم تعملون أعمالا تغرب الى يوم القيامة أى تغيب ووشك للعوازب أن تئوب الى أهلها فمسرور بها ومكظوم "

فالعمل كشاة غربت عن البيت ثم ترجع اليه. وعن بعض الزهاد ما من يوم الا ويجىء الشيطان فيقول ما تأكل وما تلبس وأين تسكن؟ فأقول آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبر.

[5.106]

{ يآ أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } شهادة مبتدأ خبره محذوف تقديره فيما آمركم لا يلزم به شهادة بينكم، أو خبر لمحذوف، أى الواجب شهادة بينكم، ويدل له قراءة الحسن شهادة بينكم بنصب شهادة، أى الزموا شهادة، وهى فى قراءته منون، وبينكم فى قراءته منصوب على الظرفية كما نصب على الظرفية فى قراءة الشعبى بتنوين شهادة ورفعه، وأما قراءة الجمهور فرفع شهادة كما رأيت، واضافته لبينكم اضافة اتساع، ويجوز على قراءة أبى برفع شهادة أن يكون شهادة مبتدأ خبره اثنان على حذف مضاف، أى شهادة اثنين، واذا لم تجعل اثنان خبرا فهو فاعل لشهادة. ويجوز فى قراءة نصب شهادة أن يكون شهادة مفعولا بفعل محذوف رافع لاثنان على الفاعلية، أى ليتم اثنان شهادة بينكم، ففى هذا الوجه شهادة مصدر، وكذا اذا جعلنا اثنان فاعل شهادة، واذا جعلنا اثنان فاعلا ليشهد محذوفا فشهادة اسم مصدر بمعنى الاشهاد. { إذا حضر أحدكم الموت } بأن ظهرت له أمارته، واذا متعلق بشهادة ان أجزنا خروجها عن الشرطية والصدر، أو بيقم المقدر، أو بما يتعلق به فيما آمركم، أو بلفظ الواجب، أو بالزموا بحسب ما قدرنا لقوله شهادة، أو شرطية صدرية يقدر لها جواب يدل له ما قبلها، وان جعلنا اثنان خبرا دل على جوابها ما قبلها مع ما بعدها. { حين الوصية } حين بدل من اذا أما على أنه خرجت عن الشرط فلا اشكال، والا فعلى القول بأنه لا يلزم ذكر ان الشرطية حين الابدال من اسم الشرط، أو متعلق بحضر ، وفى ابداله من اذا على ما قيل تنبيه على أن الوصية مما لا ينبغى أن يتهاون بها، فان كون زمان الوصية زمان حضور الموت يدل على الحرص فيها خوف فوتها بالموت، ولو أوصى قبل حضور الموت لخيف أن يضيع كتاب الوصية، أو ينسى الشهود، أو يتبدل أمر عند الموت عما أوصى به قبله كذا ظهر لى فى توجيه ذلك. وقال غيرى انه جعل زمان حضور الموت زمان الوصية، دل على أنه ينبغى أن يوقع الوصية فى زمان حضور الموت، لدلالته على أن الوصية كالموت وعدم التخلف عن ذلك الزمان، فان ذلك الزمان كما أنه لا بد من أن يقع فيه الموت، لا بد من أن تقع فيه الوصية. { اثنان ذوا عدل منكم } أى من أقاربكم أو من المسلمين، وهو حال من اثنان، لأن اثنان ولو كان نكرة لكنه قد نعت بذوا، أو نعت ثان لاثنان، والاثنان يشهدان أن فلانا أوصى بكذا، وقيل هما الوصيان يشهدان لأنفسهما أن فلانا جعلهما خليفة على وصيته، والقولان أيضا فى قوله تعالى { أو آخران من غيركم } أى من المشركين، أى أو عدلان من المشركين كتابيان، أو غير كتابيين ذميان، أو غير ذميين لضرورة السفر، وفقد من يشهد، ثم نسخ بعد شهادة المشرك على المؤمن بقوله تعالى

صفحه نامشخص