هميان الزاد إلى دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ وأما الذين ابيضت وجوههم } وهم المؤمنون. { ففى رحمة الله } أى ففى جنة الله، وسمى الجنة رحمة لأنها محل الرحمة، وذكرها باسم الرحمة إعلاما بأن المؤمن ولو عمل ما عمل من الخير فإنه لا يستحق الجنة إلا بفضل الله، وإنما أخر الذين ابيضت وجوههم عن الذين اسودت وجوههم ليكون مبدأ الكلام وآخره ما تنشرح إليه النفس، فبدأه بتبييض وجوه، وختمه بابيضاض الوجوه والرحمة، فلذلك لم يرتب النشر على اللف، وختمه أيضا بالخلود فى الرحمة إذ قال { هم فيها خالدون } كأنه قيل ما حالهم فى الرحمة، فقيل حالهم الخلود. والمراد الدوام الذى لا انقطاع له.
[3.108]
{ تلك آيات الله } أى هؤلاء الآيات المذكورة فى الوعد والوعيد آيات الله، فتلك مبتدأ، وآيات خبر، أو جملة قوله { نتلوها عليك بالحق } حال من آيات، أو تلك مبتدأ، وآيات بدل، ونتلوها خبر، وبالحق متعلق بمحذوف حال من المستكن فى نتلوا، ومن " ها " ملتبسين بالحق، أو ملتبسة بالحق، وهو إثابة المحسن وعقاب المسىء، وهو حال مؤكد لأنه لا ينزلها إلا بالحق، وقيل الإشارة إلى آيات القرآن كلها، ما نزل وما ينزل وذلك أن الله وعده، أن ينزل عليه كتابا مشتملا على ما لا بد منه، وقيل إلى ما نزل، والحق على القولين مطلق الصواب الذى أنزل الله. { وما الله يريد ظلما للعالمين } أى لا يؤاخذهم بلا جرم منهم ولا أكثر مما استوجبوا، أو لا ينقص من ثواب المحسن، فلو كان يؤاخذهم بلا جرم لكان ظلما، تعالى الله عنه، وكذا لو كان يؤاخذهم أكثر مما استوجبوا، أو كان ينقص من ثواب المحسن، فإنما وقع الذين ابيضت وجوههم والذين اسودت وجوههم، فيما نالهم، وأقوالهم، واعتقادهم، وأكد الله نفى الظلم عنه تعالى، بنفى إرادته، وتنكير ظلما، أى ظلما ما لأحد من العالمين ما، والعالمين مفعول ظلما، فقوى ظلما على العمل باللام الجارة والله، جل وعلا، مريد للكائنات القبائح والحسنات، فلا يعصى إلا بإرادته، بمعنى أنه عالم بمعصية العاصى قبل وجودها وبعده، ومقدر لها ولم يعصه عاص قهرا من العاصى، وعليه فسبحان من يحلم عن الزمخشرى وأضرابه النافين عنه إرادة ما يكون من القبائح، كالمعاصى فيلزم أن يكون الله مغلوبا، وأن تقع الأشياء فى ملكه بلا قضاء منه، وقدر، وليست بارادته تعالى، حبا للمعصية، ولا رضى بها، كما توهم، وليس المدح بنفى الشىء مستلزما لإمكانه، فقد مدح الله نفسه، بأنه لا يريد ظلما، وإرادة الظلم مستحيلة عنه، كما مدح نفسه بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، وبأنه يطعم ولا يطعم، مع الذم إمكانها له تعالى، ووجه آخر فى نفى الظلم فى الآية، أن الظلم إنما يتصف به من كان مقهورا تحت حسن جدله جدا يكون بالقصور عنه، أو بمجاوزة ظالما، لأنه لا يملك ذلك الأمر بخلاف الله، جل وعلا، فإنه لا حكم عليه، ولا قاهر، ولا شىء خارج عن ملكه تعالى، كما قال { ولله ما فى السماوات وما فى الأرض }.
[3.109]
{ ولله ما فى السماوات وما فى الأرض } فلا شىء خارجا عن ملكه، فضلا عن أن يكون بالتصرف فيه ظالما - تعالى - عن كل نقص. { وإلى الله ترجع الأمور } فيثيب المحسن ويعاقب المسىء.
[3.110]
{ كنتم خير أمة أخرجت للناس } أصل كان أن تستعمل لما وجد وانقطع، وكثر استعمالها فى الاستمرار، فإذا لم يكن دليل الاستمرار حملت على الأصل، وهو الانقطاع، ودليل الاستمرار هنا حالى، وقيل وضعت كان وحدها من دون الأفعال الماضية لمجرد وجود الشىء فيما مضى، ولا دلالة لها على الاستمرار ولا على الانقطاع، وإنما تحمل على أحدهما بدليل، والدليل هنا على بقاء الخيرية إلى الآن، وإلى قيام الساعة حالى ومقالى، والمقالى ما وردت الأخبار فى تفضيل هذه الأمة. وأما ثبوت خيريتها فيما مضى فقيل هو أنهم كانوا فى علم الله بلا أول له خير أمة وعلمه مستمر، لا آخر له أيضا، وأيضا الأصل فى الثابت الممكن الاستمرار وقيل إنهم كانوا فى اللوح المحفوظ خير أمة. وقيل كانوا بين الأمم المتقدمين خير أمة موصوفين عندهم بأنكم خير أمة. وقيل المعنى صرتم بالأمر والنهى الآن خير أمة، أى خير خلق الله كلهم. وقيل كان زائدة أى أنتم خير أمة، والجملة مستأنفة فى المدح والإغراء، منقطعة، عما قبلها، وقيل هى على تقدير القول متصلة بقوله
وأما الذين ابيضت وجوههم
أى يقال لهم عند دخول الجنة كنتم فى الدنيا خير أمة فلهذا ابيضت وجوهكم وصرتم إلى النعيم الخالد، والخطاب لأمة محمد، صلى الله عليه وسلم، المؤمنين. وعن ابن عباس الخطاب للذين هاجروا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال الضحاك للصحابة. قيل العموم للأمة المؤمنين كلهم أولى. وبه قال الحسن، ويدل له كونهم شهداء على الناس. وروى أن مالك ابن الصيف، ووهب ابن يهوذا اليهوديين، قالا لعبد الله بن مسعود، وأبى بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسلام مولى حذيفة نحن أفضل منكم وديننا خير من دينكم الذى تدعونا إليه فنزلت الآية ويكون مؤمنوا هذه الأمة فاضلوها ومفضولوها خيرا من مؤمنى الأمم الماضية، فلا يشكل على التعميم ما رواه عمران بن حصين أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال
" خير الناس قربى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتى من بعدهم قوم يشهدون ولم يستشهدوا، ويأتمنون ويخونون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمين "
صفحه نامشخص