1476

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

•
مناطق
الجزایر

[16.23]

{ لا جرم } أى حقا { أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } فيجازيهم والمصدر من خبر إن فاعل لقوله لا جرم لأنه بمعنى حق حقا وعن سيبويه والزجاج أن لا نافية لما قبلها وجرم مصدر أو فعل بمعنى حق وتقدم كلام فى سورة هود وذلك تهديد { إنه لا يحب المستكبرين } مطلقا فضلا عن المستكبرين عن الإيمان ويجوز أن يريد بالمستكبرين المستكبرين عن الإيمان ومن لا يحبه عاقبه فذلك كناية عن العقاب وتحريم الكبر وهو جعل الحق باطلا للتكبر أو لغرض واحتقار الخلق ولا يدخل الجنة من فى قلبه مثقال ذرة منه كما ورد فى الحديث وعنه صلى الله عليه وسلم

" ما من عبد إلا وفى رأسه حكمة بيد ملك أى زمام كزمام البعير فإن تعظم وارتفع ضرب الملك فى رأسه وقال له اتضع وضعك الله وإن تواضع رفعه الملك وقال له ارتفع رفعك الله "

، وليس منه مجرد كون نحو ثوب الإنسان أو نعله حسنا أو جديدا فإن الله جميل يحب الجميل.

[16.24]

{ وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم } أى إذا قال المؤمنون للمشركين ماذا أنزل ربكم على محمد وما استفهامية مبتدأ وذا اسم موصول خبر أو مبتدأ وما خبر ويجوز كون ماذا اسما واحدا مركبا استفهاميا مفعولا مقدما لأنزل فتكون الجملة فعلية وما تقدم أولى لأنهم أجابوا بالجملة الاسمية وهى أساطير مبتدأ المقدر ولو كان مفعول لأنزل كما مر كان الأنسب أن يقولوا أساطير بالنصب أى أنزل أساطير فيكون الجواب جملة فعلية وقد يجوز أن يكون ماذا مفعولا لأنزل والجملة مفعول فعلية واقع الجواب لها بالاسمية تأكيدا منهم لعنهم الله وعدولا عن المسئول بالجواب أى ليس من الإنزال فى شىء { قالوا } أى المشركون { أساطير الأولين } خبر لمحذوف كما علمت أى الذى تدعون نزوله أساطير الأولين ليس منزلا من الله كما قلتم أو الذى أنزله ربنا أساطير الأولين على طريق التهكم لا على الإذعان لكونه من الله كقول فرعون إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون فإنه قاله تهكما لا إذعانا لرسالة موسى عليه السلام أو الذى أنزله ربنا أساطير الأولين لا تحقيق فيه أجازوا على الله العبث حتى أنزل مالا تحقيق فيه تعالى عن ذلك وجزموا أنه أنزل ذلك ولا تحقيق فيه، أو أرادوا أنه إن كان من الله فهو أساطير الأولين، والأساطير الأحاديث الباطلة ويجوز أن يكون القائل ماذا أنزل ربكم بعض المشركين لبعض تهكما، سيجيب البعض الآخر بذلك وقيل نزل ذلك فى النضر بن الحارث وقيل فى المقتسمين الذين تفرقوا فى الطرق ليضلوا من يمر عليهم. وعن الكلبى أنهم تفرقوا على عقاب مكة أربعة نفر على كل طريق أمرهم الوليد بن المغيرة أن يقولوا لمن سألهم عن محمد بعضهم إنه مجنون وبعضهم إنه ساحر وبعض إنه يقول أساطير الأولين وهكذا فإن رضوا بذلك وإلا فأنا عند البيت إن سألونى أصدقكم كلكم فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث أربعة من أصحابه مع كل أربعة وأمرهم أن يقولوا إذا كذبوا عنه لمن يأتى للموسم بل هو رسول الله حقا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بصلة ذى القربى وبأن يقرى الضيف ويعبد الله فى كلام حسن جميل فيقول الناس والله ما تقولون مما يقول هؤلاء والله لا يرجع حتى نلقاه.

[16.25]

{ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة } ذنوبهم سمى الذنب وزرا لثقله واللام لام الصيرورة متعلقة بقالوا، لا تعليل حقيق لأنهم يقصدون بقولهم أساطير الأولين حمل الأوزار ويجوز أن يكون اللام لام الأمر حتما عليهم وإذلالا وإيجابا أن يحملوها يوم القيامة إذ عملوها فى الدنيا، ومعنى حمل الذنوب استقرار عقابها عليهم لأن ما أصابهم فى الدنيا من البلايا وما عملوا من البر كإقراء الضيف لم يكفرا منها شىء وإنما يكفر ذلك المؤمن { ومن أوزار الذين يضلونهم } أى وشيئا ثابتا من أوزار الذين يضلونهم ومن للتبعيض على حذف مضاف وذلك أنهم يحملون بعض أوزار ضلال الذين يضلونهم وهو حصة التسبب فإنهم إذا تسببوا فى ضلال الاتباع فضلوا فقد حصلت أوزار ضلال الاتباع فبعضهما للمضلين على الأصل وهو أوزار التسبب وبعضها للضالين على ضلالهم فمن ذلك صح التبعيض، فلا يرد علينا قول الواحدى أنها لو كانت للتبعيض لنقص عن الاتباع بعض الأوزار مع أنه ورد فى الحديث أن من سن سنة حسنة أو دعا إليها فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير نقص من أجورهم ومن سن سنة قبيحة أو دعا إليها فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير نقص من أوزارهم، وقال إنها للجنس قال أى من جنس أوزار الأتباع والتحقيق أن هذا التقدير لا يخرجها عن التبعيض لجواز قولك ليحملوا بعض جنس أوزار الذين يضلونهم ويجوز كونها للابتداء ليحملوا من جنس تلك الأوزار أوزارا { بغير علم } حال من الهاء أى ومن أوزار الاتباع الذين يضلونهم أى يضلهم هؤلاء الرؤساء حال كونهم لا يعلمون أن هؤلاء الرؤساء ضلالا ولا أن كلامهم لهم فى ذلك إضلال أو لا يعلمون أنهم مضلون لهم وفائدة هذه الحال الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم لأن عليهم البحث على الحق ويجوز أن يكون حالا من الواو ورجحه بعض بأنه المحدث عنه والمعنى على الوجه الأول أليق { ألا } حرف استفتاح وتنبيه وتوكيد لمضمون الجملة { سآء ما يزرون } بئس ما يزرون ما يذنبون والمخصوص بالذم محذوف أى ذنوبهم أو بئس ما يحملونه من الأثقال وهو أفعالهم وأقوالهم وذلك وعيد وتهديد.

[16.26-29]

{ قد مكر الذين من قبلهم } أثبتوا حيلا وخدعا ليهلكوا بها الرسل { فأتى الله بنيانهم من القواعد } أتاه أمره من جهة القواعد وهن الأساس التى اعتمد عليها البنيان وقيل ما يعمد عليه البناء من جانب ومن للابتداء نقض الله سبحانه وتعالى قواعد بنيانهم أو زلزلها { فخر } سقط { عليهم السقف } وقرىء السقف بضم السين والقاف جمع سقف { من فوقهم } متعلق بخر ومن للابتداء أو بمحذوف حال من السقف والإتيان به تأكيد لأن قوله خر عليهم مغن عنه وقد يقال إن السقف قد يخر على من بجانبه ولو لم يكن تحته على الحقيقة فحينئذ لا تأكيد بل يفيد أنهم كانوا تحت السقف لا بجانبه فصار خرور السقف عليهم سببا لهلاكهم { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } من جهة لا يخطر ببالهم أنه يأتيهم منها بل عدوها مأمنا وحصنا عن العذاب والذى يظهر لى أن ذلك مجاز مركب تمثيل لإهلاكهم بالخدع التى وضعوها لإهلاك الرسل والمؤمنين وقد أمنوا الهلاك من جهتها وأبطلها من أصلها كمن نقض قواعد حصن على قوم بنوه للنجاة فوقع عليهم فهلكوا مما أعدوه للنجاة فتشمل الآية إبطال مكر الأمم لرسلهم أو المؤمنين ورجع مكرهم وبالا عليهم كما قيل من حفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيها وكما قيل من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا. وقال ابن عباس المراد بالذين مكروا من قبلهم نمرود وقومه وبالبنيان الصرح الذى بنى وتقدم كلام فيه أوقع الله عليهم سقفه وقال مجاهد المراد ثمود { ثم يوم القيامة يخزيهم } يذلهم ويهينهم بالعذاب لأن الخزى العذاب مع الهوان ولقوله تعالى ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته فتكون الآية صريحة بأن لهم العذاب فى الدنيا والآخرة، وقيل المراد الإذلال والإهانة العامان لجميع المكاره { ويقول أين شركآئى } أضاف الشركاء إلى نفسه حكاية كأنه قيل أين الذين تزعمون أنهم شركائى أو استهزاء وعلى كل حال ففى ذلك زيادة توبيخ إذ ذكر لهم ما يودون لو لم يقولوه ويودون لو ستر وهو موجب الخزى. قال أبو عمرو الدانى قرأ البزى بخلاف عنه أين شركاى بغير الهمزة والباقون بالهمزة { الذين كنتم تشاقون } هذه النون نون الرفع كسرت للباء المحذوفة نون الوقاية أو هى نون الوقاية وحذفت نون الرفع. والأصل تشاقوننى أى تعادوننى فإن مشاقة المؤمنين كمشاقة الله أو تجعلون أنفسكم فى شق وأمرى فى شق آخر أى جانب، وقرأ غير نافع أى ففتح النون وتشاقون المؤمنين أو تشاقوننى فحذف المفعول بالكلية { فيهم } أى فى شأنهم والمراد ما لشركائكم لم يحضروا فيدفعوا عنكم الخزى { قال الذين أوتوا العلم } وهم الأنبياء والعلماء الذين يدعونهم إلى التوحيد فيشاقونهم ويتكبرون عليهم هذا هو المتبادر وقيل الملائكة وقال يحيى بن سلام هم المؤمنون وهو محتمل للوجه الأول ولأن يريد المؤمنين الذين ليسوا بأنبياء فقط، وقال عياض الصواب أن يعم الملائكة والأنبياء وغيرهم { إن الخزى اليوم } متعلق بالخزى أو بمعرفة محذوفة نعت أى أن الخزى الواقع اليوم أى فى هذا اليوم الحاضر وهو يوم القيامة { والسوء } أى كل ما يسوء من ذلة وعذاب { على الكافرين } أى ثابت عليهم لا على غيرهم أو دائم عليهم أو مقصور عليهم وهم المشركون والمنافقون وإنما يقول الذين أوتوا العلم ذلك لهم إظهار الشماتة بهم وزيادة الإهانة، وقد كانوا فى الدنيا يهينون المؤمنين ويعذبونهم ويستهزئون بهم فإذا جاء يوم القيامة أكرم الله المؤمنين وأهان هؤلاء ويزيدهم قول المؤمنين ذلك إهانة ويكون أعظم فى الهوان والخزى.

صفحه نامشخص