1475

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

•
مناطق
الجزایر

[16.17]

{ أفمن يخلق } الهمزة للاستفهام التوبيخى والإنكارى أى لا يصح ولا يمكن أن يكون من الخلق كل ما أراد كالأشياء العظام المذكورة وهو الله سبحانه وتعالى { كمن لا يخلق } شيئا وما هو فى نفسه مخلوق الله تعالى وهو الأصنام، وما عبد من دون الله من جماد وملك وإنسان ونجم والشمس والقمر فمن سواها به فى العبادة مكابر لعقله ومعاند له وكيف والأصنام وهى أيضا لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع ولا تدفع عن نفسها ولا تجلب لها وإنما لم يقل أفمن يخلق كمن لا يخلق مع أن القاعدة فى الكلام العربى تشبيه الناقص بالكامل لأن المعنى كيف تنقصون حق الخالق وتسوونه بغير الخالق هذا ما ظهر لى. وقال القاضى للتنبيه على أنهم بالإشراك بالله جعلوه من جنس المخلوقات العجزة شبيها بها انتهى، ثم ظهر لى أن مراده ما ذكرت وإنما قال كمن لا يخلق ولم يقل كما لا يخلق تغليبا للعقلاء المعبودين كالملائكة وعزير وعيسى على غير العقلاء كالصنم والنجم، وإن أريد بمن لا يخلق الأصنام فقط أو الأصنام ونحوها مما لا عقل له فإنما عبر بمن لأن من عبد شيئا فقد نزله منزلة العاقل أو لأنهم سموها آلهة ومن حق الإله أن يكون عالما أو للمشاكلة بينه وبين من يخلق من للعقلاء ويجوز أن يكون من لغير الأصنام ونحوها بل هى للعقلاء مطلقا أو للعقلاء المعبودين إلزاما لحجة على طريق المبالغة كأنه قيل ليس العالم الخالق كالعالم الذى لا يخلق فكيف يكون كمن لا يعلم ولا يخلق كما يقول فى الرد على من قال فلان كسيبويه إنه ليس كالذى علم من النحو كلمة بل دونه لا يعلم ولو كلمة واحدة وكقوله رد على من يعبد الأصنام ألهم أرجل يمشون بها أى ليسوا كمن له أرجل فضلا عن أن يكونوا كالله تعالى { أفلا تذكرون } فتعرفوا فساد ذلك فإن فساده جلى يعرف بأدنى تأمل لا يحتاج إلى تدقيق الفكر.

[16.18-19]

{ وإن تعدوا نعمة الله } يريدوا عدها أو تشرعوا فى عدها فردا فردا أو نوعا نوعا { لا تحصوها } لا تستوفوا عددها ولو اجتهدتم كل الاجتهاد فضلا عن أن تقوموا بشكرها عد الله نعما وبينها ثم نبه أن وراء ذلك نعما لا تحصى وتضمن ذلك أنه لا مستحق للعبادة سواه وإن حق عبادته غير مقدور { إن الله لغفور } إذ سامحكم فى التقصير فى القيام بشكر النعم فإن المكلف ولو ملكا أو رسولا لا يقوم بحقها والخطاب للناس كلهم { رحيم } لا يقطعها بتفريطكم وإلا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها { والله يعلم ما تسرون } من عقائدكم وأعمالكم ومكركم بالرسول. { وما تعلنون } تظهرون من ذلك، وذلك تهديد للكفار بأنه قد علم ما عندهم فهو مجاز لهم أو المعنى هو يعلم ما تسرون وما تعلنون ولا يعلم ذلك ما تعبدون فهو المستحق للعبادة دون ما تعبدون.

[16.20]

{ والذين يدعون من دون الله } أى والأصنام الذين يعبدها المشركون أو تطلبونها وعبر عنها بالذين كالعقلاء لأنها عند داعيها بمنزلة العقلاء قال أبو عمر والدانى قرأ عاصم والذين يدعون بالياء المثناة تحت انتهى. هذا هو الذى صح عن حفص عنه وقال القراضى قرأ حفص يسرون ويعلنون ويدعون بالتحتية ولعل هذا رواية شاذة عنه عن عاصم وقرأ أبو بكر تدعون بالفوقية ويعلنون ويسرون بالتحتية وقرئ يدعون بالتحتية والبناء للمفعول { لا يخلقون شيئا } هذا مستفاد من قوله كمن لا يخلق وإنما ذكره هنا أيضا ليرتب عليه قوله { وهم يخلقون } ولو لم يذكر قوله لا يخلقون شيئا لم يحل الكلام حلاوته حين ذكره والجملة معطوفة على الخبر أو حال من الواو فيه.

[16.21]

{ أموات } خبر بعد خبر لقوله الذين أو لقوله هم أو خبر لمحذوف أى هم أموات { غير أحياء } نعت لأموات أو خبر آخر على الأوجه الثلاثة والمراد أنهم لم يقبلوا حياة قط ولم يتصفوا بها أو أموات حالا أو مثالا غير أحياء بالذات وعلى هذا يتناول من كل حيا معبودا كالملائكة { وما يشعرون أيان يبعثون } بكسر الهمزة وفتحها قراءتان أى لا تعلم الأصنام أو جميع من عبد من دون الله متى يبعث عابدوهم فكيف يكون لهم وقت تجازيهم معبوداتهم فيه على العبادة أو لا يعلم الأصنام أو جميع من عبد من دون الله متى يبعثهم الله فكيف يعلمون متى يبعث عابدوهم فكيف يجازونهم على العبادة وذلك أن الأصنام تبعث ويجعل لها حياة وعقل حتى تتبرأ من عابديها وتخاصمهم أو لا يعلم الذين عبدوا الأصنام متى يبعثون فضلا عن أن تعلم الأصنام ذلك فكيف تثيبهم على العبادة، نفى الله جل جلاله أن تكون الأصنام ونحوها شريكة له بنفى أن تكون خالقة وبإثبات أنها مخلوقة فهى ممكنة الوجود مفتقرة إلى موجد والإله لا يكون إلا واجب الوجود وبإثبات الموت لهم والإله لا يكون إلا حيا بالذات لا يقبل الموت بالأصل ولا بالحال ولا بالمثال وينفى علم البعث متى هو والإله عالم بالغيب مقدر للثواب والعقاب فى وقت مخصوص بعلمه وتضمنت الآية أنه لا بد من البعث وأنه من لوازم التكليف ويجوز أن يكون المعنى أن الذين تدعون من دون الله من الأصنام لا يصورون شيئا بالنحت وهم منحوتون مصورون قد نحتموهم وصورتموهم كما أشار إليه الشيخ هود فهم دونكم وأعجز منكم فكيف تعبدونهم وهم أموات غير قابلة للحياة أصلا وأنتم أحياء ولو كنتم من نطفة غير حية فأنتم أفضل ولا يشعرون متى تبعث الأحياء كما لا تشعرون وهذا تهكم بحالهم لأن شعور الجماد محال فكيف يشعر بما لا يشعر حى سوى الحى الدائم ولما ألزم الله سبحانه وتعالى وحدانيته فى الألوهية بالحجج المذكورة صرح بها تأكيدا وإيضاحا فى قوله { إلهكم إله واحد }.

[16.22]

{ إلهكم إله واحد } المستحق للعبادة منكم واحد فى ذاته وفعله وصفته وهو الله { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة } جاحدة لهذا المعنى الذى هو كون إلهكم واحدا وقيل منكرة لهذا القرآن { وهم مستكبرون } عن اتباع الحق بعد وضوحه إصرارا وركونا إلى الأسلاف واتباعا للمألوف حتى لا يتأتى لهم النظر فى الدلائل بخلاف المؤمن فإنه يتأمل فيها وهؤلاء لما لم يؤمنوا ترتب على عدم إيمانهم الإنكار والاستكبار بالزيادة.

صفحه نامشخص