1368

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

مناطق
الجزایر

هى راودتنى عن نفسى

أو أرادت أنه صادق فى أقواله وأفعاله مطلقا ولا من يدل على شهادتها ببراءته، إذ لا يبقى لأحد مقال إذا اعترف الخصم، وإنما اعترفت بذلك لأن النسوة أقبلن عليها وقررنها، وقيل خافت أن يشهدن عليها فأقرت، وها هنا تم كلام المرأة بحضرة الملك، ثم ذكر الله جل وعلا بقية كلام يوسف الذى تكلم به للساقى حين رجع إليه ليأتى به إلى الملك، كما قال ابن جريج بقوله { ذلك ليعلم... }

[12.52]

{ ذلك } المذكور من من أمرى لك أيها الساقى بالرجوع إلى الملك وبسؤالك إياه، ما بال النسوة، أو ذلك التثبيت لأن الأمر بذلك تثبيت، وإنما أشار بصيغة البعد لعلو شأن التثبيت، فكأنه بعد مسافة، ولأن الكلام إذا انقضى فقد غاب وليس بشئ حاضر فى الحس، ولو بقى الذهن، وقيل هذا كلام يوسف حين رجع إليه الساقى ليخبره بما قالت النسوة، إذ جمعهن الملك، وبه قال أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول ابن جريج، والبعد واضح على هذا. وقال عطاء، عن ابن عباس إنه قال ذلك بحضرة الملك، وعلى هذا فإن كانت الإشارة لأمره الساقى بما ذكر أو للتثبيت المأمور به، فالبعد ظاهر، وإن كانت للتثبيت الحاصل من الملك بحضرة يوسف والنسوة، فالبعد لانقضاء الكلام، وعلو شأن التثبيت، وإن قال يوسف ذلك بحضرة الملك ولم يحضر للتثبيت، فإن أخبرته فأشار إليه، فالبعد لذلك أيضا ولبعد إتمام التثبيت عن كلامه، وإلا فأشار إلى أمره الساقى أو للثتبيت المأمورية، فالبعد لهذه الأوجه. { ليعلم } وضمير يعلم لله، والهاء بعد على هذا لله، أى لم أخن الله، أى لم أعصه فى زوجة العزيز، وقيل الإشارة إلى الامتناع من مطلوبتها { أنى لم أخنه } فى زوجته { بالغيب } أو للعزيز متعلق بأخن أى أخنه فى وقت غيبته، أو فى مكان غيبته وراء الأستار والأبواب المغلقة أو حال من الهاء، أى لم أخنه ثابتا فى وقت الغيبة عنى أو فى مكان الغيبة عنى، إذ ذهب إلى الملك أو السوق أو غيرهما، أو حال من المستتر فى أخن، أى لم أخنه ثابتا فى وقت غيبتى، أو مكان غيبتى عنه بأن ذهب إلى ما ذكر وتركنى خلفه فى أهله { وان الله لا يهدى } لا يوفق ولا يرشد { كيد الخائنين } ومعنى عدم توفيق كيدهم وعدم رشده أنه لا يجعله متأثر ناقدا، بل يفضحه ويبطله، أو الأصل لا يهدى الخائنين بكيدهم، فأوقع عدم الهداية على الكيد مبالغة، وفى ذلك كناية عن أنه لو كان خائنا لم يخلصه الله من تلك الورطة الواقع هو فيها، وعن أنه أمين ولا بد وتعريض بخيانتها زوجها وبخيانة زوجها والملك أمانة لله، إذ ساعداها على حبسه بعد ظهور الآيات على أن الملك قد سمع بهن، ولم تضمن كلامه هذا تنزيه نفسه كما علمت، قال خروجا عن تزكية النفس والعجب.

[12.53]

{ وما أبرئ نفسى } من كل سوء على الإطلاق، ولو برئت من هذا يمن الله تعالى على بالعصمة، وهذا منه هضم لنفسه، وتواضع لله عز وجل، وسكن غير نافع، وأبى عمرو الياء، ويجوز أن يكون المعنى لا أبرئ نفسى فى هذه الحادثة لميل نفسه ميلا طبيعيا أنه مؤاخذ عليه لعدم القصد والعزم عليه، ولأنه ضرورى إلى ما أحبت زليخا. { إن النفس } جنس النفوس، وهذا استئناف للتعليل أو المجرد بيان أمر النفس، كأنه قيل هل النفس أمارة بالسوء؟ فقال { إن النفس } { لأمارة بالسوء } بدليل التأكيد، فإنه حسن إذا كان المخاطب طالبا متردد جنس السوء، أكد أمر النفس بالجملة الاسمية وبأن وبلام التأكيد وبصفة المبالغة، وذلك أنها تميل بالطبع إلى الشهوة وتستغرق فيها، وتستعمل القوى والجوارح فيها ما وجت، ولا تقول قطنى. والتحقيق عندى أن النفس واحدة تميل بالطبع إلى الشهوات، وتميل بالطبع أيضا عما يضرها، ولكنها لا تتمالك عن اللذة بالعاجلة، فإذا تمكنت منها وثبت إليها، فمن ذلك وصفت بأنها أمارة بالسوء، فإن كانت مما يترتب عليه ضرر دنيوى أو أخروى ندمت، فمن هذا توصف بأنها لوامة، وإذا غلبها نور العقل وجبرها على الامتثال والاجتناب لم تفعل السوء وسكنت العقل، وخضعت فانها من ثم توصف بأنها مطمئنة كذا ظهر لى. { إلا ما رحم ربى } مصدرية، والمصدر نائب عن اسم الزمان، أى إلا رحمة ربى، أى إلا وقت رحمة ربى، وهذا جار على القليل من وقوع التفريغ فى الإثبات نحو زيد يقرأ إلا يوم السبت، أى يقرى فى كل وقت إلى يوم السبت، والتقدير فى الآية إن النفس لأمارة بالسوء فى كل وقت إلا وقت رحمة ربى، وقد أجاز بعضهم قياس ذلك، وذلك الوقت الذى لا تأمر فيه بالسوء، هو وقت غلبة العقل عليها، والوقت الذى لا تجد فيه سبيلا إلى شر، أو ما مصدرية والاستثناء منقطع، أى ما أبرئ نفسى، لكن رحمة ربى تمنع من السوء. ويجوز أن يكون ما اسما موصولا بمعنى من والاستثناء أيضا منقطع أى إلا من رحم ربى بالعصمة كما قال ابن عباس، وإنما قلت منقطع لأن الإنسان مثلا ليس من جنس النفس، أو ما واقعه على أنواع من يعقل، فالاستثناء أيضا منقطع، ويحتمله كلام ابن عباس، وذلك المرحوم كالملائكة، ويجوز كون ما على أصلها لغير العاقل فى اصطلاح لنحو واقعة على النفس، فيكون الاستثناء متصلا، أى إلا النفس التى رحمها ربى بأن يعصهما أصلا عن الأمر بالسوء، كنفس الملائكة، فإن أنفسهم لا تأمرهم بالسوء، وإنما قلت إن النفس غير عاقلة فى الاصطلاح، لأن العاقل فى الاصطلاح الإنسان يحملنه، والملك والجنى مثلا، فلو عبر عن العقل والنفس لعبر عنها بما لا يمن، والمنصوص عن ورش تحقيق همزة السوء وهمزة إلا، والمشهور عنه فى الأداء أنه يجعل الثانية من همزتين مكسورتين، إحداهما آخر كلمة، وأخرى أول كلمة كالياء الساكنة وكذا يفعل قليل.

وعن على بن خاقان، عن ورش أنه يحمل الثانية ياء مكسورة فى البقرة فى قوله { هؤلاء إن كنتم } وفى النور على البناء { إن أردن } وقرأ قالون والبزى بالسو بتشديد الواو إبدالا لهمزة السوء واوا وإدغام الواو فى الواو، وتحقيق همزة إلا، وأبو عمرو يسقط الثانية على أصله والباقون يحققون الهمزتين. { إن ربى غفور } للذنوب، من استغفره منها واعترف بها كهم النفس غير الضرورى { رحيم } بالعصمة لمن يشاء وبالتوبة على من استرحمه مما ارتكب، وروى أنه لما قال ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب قال له جبريل ولا حين هممت بها، فقال { وما أبرئ نفسى } الآية، وقيل لما قال ذلك قال له الملك الذى معه اذكر ما هممت به، فقال { وما أبرئ نفسى } الآية، وقيل لما قال ذلك قال له جبريل فما فعلت السراويل؟ فقال { وما أبرئ نفسى } الآية. وروى أنه لما قال ذلك قال له الملك الذى تشبه بيعقوب منفرجا عن السقف حين راودته ولا حين حللت سراويلك؟ فقال { وما أبرئ نفسى } الآية وأثبت بكل تلك الروايات الشيخ هود، وأنكرهن الزمخشرى، وخطأ من قال بهن قال. ولقد لفتت المبطلة روايات مصنوعة، فزعموا أن يوسف حين قال

إنى لم أخنه بالغيب

قال له جبريل عليه السلام ولا حين هممت بها، قالت له امرأة العزيز ولا حين حللت تكة سراويلك يا يوسف، وذلك لتهالكهم على بهت الله ورسوله أ ه. وما تقدم من كون قوله

ذلك ليعلم أنى لم أخنه

صفحه نامشخص