1367

هميان الزاد إلى دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

مناطق
الجزایر

[12.50]

{ وقال الملك ائتونى به } أى ليأت به واحد منكم، أى بيوسف هذا الذى عبرها، فذهب إليه الساقى { فلما جاءه } أى وصل يوسف { الرسول } وهو الساقى وقال له ائت الملك، فإنه يدعوك ليكرمك ويشرفك، فإنه قد عرف فضلك. { قال } يوسف للرسول { ارجع إلى ربك } سيدك وهو الملك { فاسأله ما بال } ما شأن { النسوة } وقرئ بضم النون { اللاتى قطعن أيديهن } قدم سؤال النسوة على الخروج والتوصل بالملك لتظهر براءته مما نسب إليه من خيانة العزيز فى امرأته، وأنه سجن ظلما، فلا يمكن للحاسد بعد ذلك أن يوسوس للملك بأنه خائن ولا أن يتهيأ للملك فى بعض الأحيان أن هذا هو الذى خان العزيز فى زوجته، والاجتهاد فى نفى التهم واجب. قال صلى الله عليه وسلم

" من كان يؤمن بالله وليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم "

ومر به صلى الله عليه وسلم مع بعض نسائه فى معتكفه بعض الناس ، فقال صلى الله عليه وسلم " إنها فلانة " فقال المار ما كنا لنتهمك يا رسول الله، قال " كذلك ينبغى أن أخبرك " وإنما قال { اسأله ما بال النسوة } يعنى اسأل الملك يخبرك، ولم يقل اسأله أن يفتش، لأن السؤال مما يهيج الإنسان ويحركه للبحث عما سئل ليجيب السائل، بخلاف ما إذا قالت اسأل لى غيرك عن كذا، فلا يتحرك ولا يهيج، لأنه لا فضل فى المسئول إذا أجاب عن لسان غيره فلا تشتهيه النفس. ولم يذكر يوسف سيدته مع ما صنعت به كرما ومراعات للأدب، وذلك من غاية الصبر، وسماحة النفس، قال صلى الله عليه وسلم

" لقد عجبت ليوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ولبثت فى السجن ما لبث لأسرعت الأجابة وبادرتهم الباب ولما انتفيت العذر فى أمر النسوة قبل الخروج، إن كان حليما ذا أناة "

وعنه

" رحم الله أخى يوسف، عبر لهم الرؤيا قبل خروجه من السجن، لو كنت أنا لبادرت الخروج، ورحم الله أخى لوطا حين قال { لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد } لقد أوى إلى ركن شديد "

وإنما عنى وصف يوسف بالصبر والكرم، لا وصف نفسه بالعجلة، ولكنه آتى بعبارة توهمها هضما لنفسه، وليقتدى به فى الأخذ بالحزم إذ لسنا كيوسف، فإنه نبى، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكرم من يوسف وأصبر منه. { إن ربى بكيدهن عليم } أى لا يعلم غاية كيدهن إلا الله، لبعد غوره، ولو كان يمكن للملك وغيره أن يعلموا طرفا منه، أو أراد أن الله عليم به ولو جهلتموه، وفى ذكر علمه تعالى بكيدهن تلويح بعقابهن عليه فى الآخرة، وفيها وفى الدنيا، واستشهاد بالله سبحانه على براءته، وكيدهن هو قولهن أطع مولاتك، أو مراودتهن له لأنفسهن إذا خلون به، أو جميع ذلك فجمعهن الملك، وهن ستة أو سبعة فيهن زليخا، ماتت ثلاثة حسرة على يوسف وبقيت أربع وتقدم غير ذلك.

[12.51]

{ قال } الملك لهن { ما خطبكن } أى ما شأنكن وكل أمر من الأمور يسمى خطبا عظيما أو صغيرا ولذلك فسره الشيخ هود رحمه الله بالحجة، فإن الحجة أمر من الأمور، وكثر فى الأمر العظيم وحقيقته أمر يحق أن يخاطب فيه صاحبه { إذ } متعلق بنسبه الخبر إلى المبتدأ و متعلق بخطب، ولو كان خطب جامدا غير مصدر، لأن فيه معنى القصد والاعتماد. { راودتن يوسف عن نفسه } وذلك أن كلا منهن راودته عن نفسه لنفسها كما مر، أو لأنهن أمرنه بطاعة زليخا فيما راودته فيه، فكأنهن مراودات، أو المراود امرأة العزيز وحدها، وخاطب الكل سترا لها، لأنها فيهن، فذلك على الأول كلية حقيقة، وعلى الثانى كلية مجازا، وعلى الثالثة كل وحكم على المجموع، هل وجدتن ميلا منه إليكن حتى راودنه. { قلن حاش } فيه القراءات السابقة { لله } تعجب من لغته البالغة مع وجود أسباب عدمها، ومن قدرة الله جل وعلا على خلق مثله { ما علمنا عليه من سوء } أم قبيح من الزنى، ولا من مقدماته، أو من ذنب مطلقا فضلا عن ذلك. ولأنها فيهن، فذلك على الأول كلية حقيقة، وعلى الثانى كلية مجازا، رأودتنه. { قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق } ثبت واستقر متمكنا راسخا، من قولك حصحص البعير إذا ألقى ركبتيه على الأرض وتمكن قاعدا، وقال البخارى حصحص اتضح، وهو من قولك حص الشعر إذا استأصله حتى ظهرت جلدة الرأس، وقرئ بالبناء للمفعول، أى ظهر الحق وبان، أو أثبت وأقر، فإن الحصحصة بمعنى الثبوت تستعمل متعدية ولازمة. { أنا روادته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } فى قوله

صفحه نامشخص