فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
من أنا فقال خالقنا . . . ودليلي فيك آثار أعلم أن المحق ظهورك في الكون به بطريق الأستخلاف والنيابة عنه فلك التحكم في العالم ومحق المحق ظهورك بطريق الستر عليه والحجاب فإنت تحجبه في محق المحق فيقع شهود الكون عليك خلفا بلا حق لأنهم لا يعلمون أن الله أرسلك سترا دونهم حتى لا ينظرون إليه فمحق المحق يقابل المحق ما هو مبالغة في المحق وأنما هو مثل عدم العدم فإذا أقيم العبد في خروجه عن حضرة الحق إلى الخلق بطريق التحكيم فيهم من حيث لا يشعرون وقد يشعرون في حق بعض ألا باص من هذا النوع كالرسل عليهم السلام الذين جعلهم الله خلائف في الأرض يبلغون إليهم حكم الله فيهم وأخفي ذلك في الورثة فهم خلفاء من حيث لا يشعر بهم ولا يتمكن لهذا الخليفة المشعور به وغير المشعور به أن يقوم في الخلافة ألا بعد أن يحصل معاني حروف أوئل السور سور القرآن المعجمة مثل ألف لام ميم وغيرها الواردة في أوائل بعض سور القرآن فإذا أوقفه الله على حقائقها ومعانيها تعينت له الخلافة وكان أهلا للنيابه هذا في علمه بظاهر هذه الحروف وأما علمه بباطنها فعلى تلك المدرجة يرجع إلى الحق فيها فيقف على أسرارها ومعانيها من الاسم الباطن إلى أن يصل إلى غايتها فيحجب الحق ظهوره بطريق الخدمة في نفس الأمر فيرى مع هذا القرب الألهي خلقا بلا حق كما يرى العامة بعضهم بعضا فيحكم في العالم عند ذلك بما تقتضيه حقيقته بما هو نسخة كونية للمناسبة التي بينه وبين العالم فلا يعلم العالم هذا القرب الألهي وهذا هو محق المحق الذي يصل إليه رجال الله فهو يشهد الله بالله ويشهد الكون بنفسه لا بالله ويكون في هذا المقام متحققا من حروف أوئل السور المعجمة بالألف والراء خاصة مع علمه بما بقي منها غير أن الحكم فيه للألف والراء في هذا المقام حيثما وقعا من السور وأما حكمه في العالم في هذا المقام فمن باقي هذه الحروف من لام وميم وصاد وكاف وهاء وياء وعين وطاء وسين وحاء وقاف ونون فبهذه الحروف يظهر في العالم في مقام محق المحق وبالألف والراء يظهر في المحق وهم الأولياء الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا رؤا ذكر الله وذلك لأن عين تجليهم بهذين الحرفين في الصورة الظاهرة عين تجلي الحق فمن رآهم رأى الحق فهم إذا رؤا ذكر الله لتحققهم بصفته فهم يشاهدون الحق فيه إذا تجلى لهم في صورة حق ولقد رأيته في هذا التجلي ورأيت كثيرين من أهل الله لا يعرفونه وينكرونه وتعجبت من ذلك حتى أعلمت بأنهم وأن كانوا من أهل الله من حيث أنهم عاملون بأوامر الله لا عالمون فهم أهل إيمان ولما كان بين رتبة الألف من هذه الحروف وبين الراء ثلاث مراتب لذلك لم تقو الراء قوة الألف فإن الألف لا تحمل الحركة ولا تقبلها والراء ليست كذلك وأعلم أن محق المحق أتم عند أهل الله في الدنيا والمحق أتم في الآخرة ومحق المحق لا يفوز به ألا أخص أهل الله وهو للعقول النورة هياكلها والمحق يفوز به الخصوص وهو للنفوس المنورة جعلنا الله ممن محق محقه فإنفرد به حقه وهذه التي تسمى خلوة الحق فإنه لا يشهد ولا يرى وأن علمه بعض الناس فلا يكون مشهودا له ومن هذه الحقيقة أتخذ أهل الله الخلوة للأنفراد لما رأوه تعالى أتخذها للأنفراد بعبده ولهذا لا يكون في الزمان ألا واحد يسمى الغوث والقطب وهو الذي ينفرد به الحق ويخلو به دون خلقه فإذا فارق هيكله المنور أنفرد بشخص آخر لا ينفرد بشخصين في زمان واحد وهذه الخلوة الألهية من علم الأسرار التي لا تذاع ولا تفشي وما ذكرناها وسميناها ألا لتنبيه قلوب الغافلين عنها بل الجاهلين بها فإني ما رأيت ذكرها أحد قبلي ولا بلغني مع علمي بأن خاصة أهل الله بها عالمون وقد ورد خبر صحيح في التنبيه على هذا يوم القيامة حيث الجمع الأكبر في أنفراد العبد مع ربه وحده فيضع كنفه عليه ويقرره على ما كان منه ثم يقول له أني سترتها عليك في الدنيا وأنا أسترها عليك هنا ثم يأمر به إلى الجنة فنبه على الأنفراد بالله ونبهناك نحن على الأنفراد الألهي بالعبد وذلك العبد عين الله في كل زمان لا ينظر الحق في زمانه ألا إليه وهو الحجاب الأعلى والستر الأزهي والقوام الأبهى
الباب السادس والخمسون ومائتان في معرفة الأبدار وأسراره
بدر الرجوع إلى بدر السلوك عمى . . . فإنظر بهل وبلم وثم كيف وما فإن تعالى وجود عن مطالبها . . . لا فرق بين أستوى فيه وبين عما
من لا يؤثر في توحيده نسب . . . ذاك الذي حار في توحيده القدما
وما رأينا لعقل في تقلبه . . . في حضرة الذات في توحيده قدما
صفحه ۵۴۵