فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
فجعلك عين ستره عليك ولولا هذا الستر ما طلبت الزيادة من العلم به فإنت المتكلم والمخاطب من خلف ستر الصورة التي كلمك منها فإنظر في بشريتك تجدها عين سترك الذي كلمك من ورائه فإنه يقول وما كان لبشر أن يكلمه الله ألا وحيا أو من وراء حجاب وقد يكلمك منك فإنت حجاب نفسك عنك وستره عليك ومن المحال أن تزول عن كونك بشرا فإنك بشر لذاتك ولو غبت عنك أو فنيت بحال يطرأ عليك فبشريتك قائمة العين فالستر مسدل فلا تقع العين ألا على ستر لأنها لا تقع ألا على صورة وهذا لما تقتضيه الألوهية من الغيرة والرحمة فأما الغيرة فإنه يغار أن يدركه غير فيكون محاطا لمن أدركه وهو بكل شيء محيط والمحاط فلا يكون محيطا لمن أحاط به وأما الرحمة فإنه علم أن المحدثات لا تبقى لسبحات وجهه بل تحترق بها فسترهم رحمة بهم لأبقاء عينهم ثم أن الله أيضا أسدل للعالمين ستور نتائج أعمالهم بقوله أن عمل كذا ينتج لعامله كذا فيقف العامل مع النتيجة لا رغبة فيها إذا كان من أهل الخصوص وأنما يرغب من يرغب فيها ليصحح بها وبشهودها عمله الذي كلفه به سيده وأما العامة فلرغبتها فيها وتعشقها بها فلما جعل الله علامات تدل على صحة الأعمال في العاملين رغبت الخاصة في مشاهدة نتائج الأعمال ليكونوا على بصيرة في أمورهم أذ كان مطلوبهم وهمهم القيام بما أشهدهم عليه من الحقوق وليست الحقوق سوى الأعمال التي كلفهم وقد يسدل الستر خوفا من نفوذ العين وأصابته ويدخل في هذا سدل الحجب من أجل السبحات الوجهية المحرقة أعيان الممكنات وأما في حق بعض الناس ممن ليست له تلك القدم في العلم بالله فلا يعلم أن لله تجليا في كل نفس ما هو على صورة التجلي الأول فلما غاب عنه هذا الأدراك ربما أستصحب تجليا ودام عليه شهوده والطبع يطلبه بحقيقته فيدركه الملل والملل في هذا المقام عدم أحترام بالجناب الألهي فإنهم في لبس من خلق جديد مع الأنفاس وهم يتخيلون أن الأمر ما تغير فسدل الستر من أجل الملل الذي يؤدي إلى عدم الأحترام لما حرمهم الله العلم بهم وبالله فهم يتخيلون أنهم هم في كل نفس وهم هم من حيث جوهريتهم لا من حيث ما يتصفون به ولا تقل أن الأمر ليس كذلك هذا من الأسرار الألهية التي قد حجب الله عن أدراكها خلقا كثيرا من أهل الله أرباب فتوح المكاشفة فكيف حال غيرهم فيها فالستر لا بد منه أذ لا بد منك فأفهم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
الباب الخامس والخمسون ومائتان في معرفة المحق وهو فناؤك في عينه وفي
معرفة محق المحق وهو ثبوتك في عينه
فناء الكون في الأعيان محق . . . وعين الكون حق ثم خلق
فإن قام الدليل على وجودي . . . يقوم بذات من يبغيه محق
وأني بالذي يحويه كوني . . . من أسماء الحقيقة في شق
هذا المحق وأما محق المحق فهو
أن محق المحق أبدار . . . وهو في التحقيق أنذار
فإذا أبصرت طلعته . . . في لم تدركه أبصار
قال للحداد حين أتى . . . دونه حجب وأستار
صفحه ۵۴۴