فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
هذا ميزان الأعتدال وهو الميزان الألهي لا تؤثر فيه العوارض ولا يتأثر بالأحوال المحب الله لا ينتفع بالطاعة ولا يتضرر بالمخالفة من أحبه من عباده لم تضره الذنوب ولا قد حت في منزله بل بشره فقال ' عفا الله عنك لم أذنت لهم ' فقدم العفو على السؤال عندنا وعلى العتاب عند غيرنا ' ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ' فقدم المغفرة على الذنب وليس بذنب عنده وأنما ذكره لتعرف العناية الألهية بأحبابه لا ذنب لمحبوب ولا حسنة لمحب عند نفسه ومع هذا كله فإنه مقام خفي غير جلي سريع التفلت في المحب يتصور فيه المطالبة مع الأنفاس مدعيه حافظ لميزانه أن أخل به قامت الحجة عليه من الجانبين فلا يحفظه ألا ذو معرفة تامة وذو حب صادق قوي السلطان ثابت الحكم منصة ومجلى نعت المحب بأنه غير مطلوب بالآداب أنما يطلب بالأدب من كان له عقل وصاحب الحب ولهان مد له العقل لا تدبير له فهو غير مؤاخذ في كل ما يصدر عنه إذا كان المحب الله فهو الكبير المالك مشرع الآداب في العقلاء مؤدب أوليائه كما قال صلى الله عليه وسلم ' أن الله أدبني فأحسن أدبي ' والسيد لا يقال يتأدب مع غلامه وأنما يقال السيد يعطي ما يستحقه العبد المحبوب عنده المكرم لديه منة منه وفضلا فالسيد غير مطالب بالأدب مع عبده وأن كان محبو باله منصة ومجلى نعت المحب بأنه ناس حظه وحظ محبوبه أستفرغه الحب فإنساه المحبوب وأنساه نفسه وهذا هو حب الحب والحقيقة الألهية التي صدرت منها هذه الحقيقة لا تنقال نعم تنقال ألا أنها من الأسرار التي لا تذاع فمن كشفها عرفها ولا يجوز له أن يعرف بها وآيتها من كتاب الله ' نسوا الله فنسيهم ' ومن نسى صورته نسى نفسه منصة ومجلى نعت المحب بأنه مخلوع النعوت المحب لا نعت له يقيد به ولا صفة فإنه بحيث يريد محبوبه أن يقيمه فيه فنعته ما يراد به وما يراد به لا يعرفه فهو مخلوع النعوت المحب الله هو كامل لذاته لا يكمل بالزائد فلا نعت له ولا صفة لأنه ليس كمثله شيء فسبحان ربك رب العزة عما يصفون منصة ومجلى نعت المحب بأنه مجهول الاسماء قال الشاعر
لا تدعني الأبيا عبدها . . . فإنه أشرف أسمائي فهذا مثل قولهم فيه أنه مخلوع النعوت فالعبودية له ذاتية فما له إسم معين سوى ما يسميه به محبوبه فبأي إسم سماه ودعاه به أجابه ولباه فإذا قيل للمحب ما أسمك يقول سل المحبوب فما سماني به فهو إسمي لا إسم لي أنا المجهول الذي لا يعرف والنكرة التي لا تتعرف المحب الله لا إسم له يدل على ذاته وأنما المألوه الذي هو محبوبه نظر إلى ما له فيه من أثر فسماه بآثاره فقبل الحق ما سماه به فقال المألوه يا الله قال الله له لبيك قال المربوب يا رب قال له الرب لبيك قال المخلوق له يا خالق قال الخالق لبيك قال المرزوق يا رزاق قال الرزاق لبيك قال الضعيف يا قوي قال القوي أجبتك فأحوالنا تدعوه دعاء تحقيق فيتخذها أسماء ولهذا تختلف ألفاظها وتركيب حروفها بحسب اللسان والمعنى الموجب للإسم معقول عند المخلوقين فيقول العربي يا الله للذي يقول له الفارسي أي خداي ويقول له الرومي أيشا ويقول له الأرمني أي أصفاج ويناديه التركي أي تنكري ويناديه الأفرنجي أي كريطور ويقول له الحبشي واق فهذه ألفاظ مختلفة لمعنى واحد مقصود من كل مخلوق فلهذا قلنا أنه مجهول الاسماء أذ الاسماء دلائل فالمحبوب بأي إسم دعا محبه أجابه منصة ومجلى نعت المحب بأنه كأنه سال وليس بسال وهذا النعت يسمى البهت والسبات ولا يكون له هذا ألا في حال الأستغراق فيما عنده من حب محبوبه حتى أن محبوبه ربما يكون بأزائه ولا يعرفه به ويناديه ولا يعرف صوته مع نظره إليه فهو كالسالي في حاله وهو في غاية الهيمان فيه المحب الله يقول ' والله غني عن العالمين ' ويطالبهم بأنفاسهم أن يكون تنفسهم بذكره وأنه سميع الدعاء منصة ومجلي نعت المحب بأنه لا يفرق بين الوصل والهجر لشغله بما عنده من محبوبه فهو مشهوده دائما أو يكون كما قال القائل
فالليل أن وصلت كالليل أن هجرت . . . أشكو من الطول ما أشكو من القصر
فهو في الحالتين صاحب شكوى فما تغير عليه الحال في عذاب دائم وأما نحن فعلى المذهب الأول ما لنا شغل ألا به فهو مشهودنا لا نعرف غيره ولا نشهد سواه ولنا في ذلك
شغلي بها وصلت ليلا وأن هجرت . . . فما أبالي أطال الليل أم قصرا
المحب الله الكلمة الألهية واحدة قال تعالى وما أمرنا ألا واحدة كلمح بالبصر لا تفريق عنده فبعده عين قربه وقربه عين بعده فهو البعيد القريب ما عنده وصل بنا فيقبل الفصل ولا هجر فيقبل الوصل
صفحه ۳۵۴