836

فتوحات مکیه

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ویراست

الأولى

سال انتشار

1418هـ- 1998م

محل انتشار

لبنان

مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
ایوبیان

وأبكي أن ناؤا شوقا إليهم . . . وأبكي أن دانوا خوف الفراق هذا جزاء من أحب غير عينه وجعل وجود عين محبوبه فيما هو خارج عنه فلو أحب الله لم تكن هذه حالته فمحب الله لا يخاف فرقة وكيف يفارق الشيء لازمه وهو في قبضته لا يبرح وبحيث يراه محبوبه وهو أقرب إليه من حبل الوريد وما رميت أذ رميت ولكن الله رمى أين الفراق وما في الكون ألا هو يقول الله تعالى ' من تقرب إلى شبرا تقربت منه ذراعا ' الحديث فهكذا ينبغي أن تعرف ياأخي قدر من أحبك لله أو لنفسه إذا كان الحق مع غناه عن العالم إذا أحبه عبده سارع إليه بالوصلة وقربه وأدنى مجلسه وجعله من خواص جلسائه فإنت أولى بهذه الصفة إذا أحبك شخص فقد أعطاك السيادة عليه وجعل نفسه محلا لتحكمك فيه فينبغي لك أن كنت عاقلا أن تعرف قدر الحب وقدر من أحبك ولتسارع إلى وصلته تخلفا بأخلاق الله مع محبته فإنه من بدأك بالمحبة فتلك يدله عليك لا تكافئها أبدا وذلك لأن كل ما يفعله من الحب بعد أبتدائه معه فإنما هو نتيجة عن ذلك الحب الذي أحبك أبتداء ومن نعوت المحبين الهيام وهم المهيمون الذين يهيمون على وجوههم من غير قصد جهة مخصوصة والمحبون لله أولى بهذه الصفة فإن الذي يحب المخلوق إذا هام على وجهه فهو لقلقه ويأسه من مواصلة محبوبه ومحب الله متيقن بالوصلة وقد علم أنه سبحانه لا يتقيد ولا يختص بمكان يقصد فيه لأن حقيقة الحق تأبى ذلك ولذلك قال ' فأينما تولوا فثم وجه الله ' وقال ' وهو معكم أينما كنتم ' فمحبة مهيم في كل واد وفي كل حال لأن محبوبه الحق فلا يقصده في وجه معين بل يتجلى له في أي قصد قصده على أي حالة كان فهم أحق بصفة الهيمان من محبي المخلوقين فهو تعالى المشهود عند المحبين من كل عين والمذكور بكل لسان والمسموع من كل متكلم هكذا عرفه العارفون وبهذه الحقيقة تجلى للمحبين ومن نعوت المحبين الزفرات وهي نار نور محرقة يضيق القلب عن حملها فتخرج مضغطة لتراكمها مما يجده المحب من الكمد فيسمع لخروجها صوت تنفس شديد الحرارة كما يسمع لصوت النار صوت يسمى ذلك الصوت زفرة ولا يكون ذلك ألا في الجسم الطبيعي خاصة وقد يكون في الصورة المتجسدة ولهذا تتصف الصورة المتجسدة عن المعنى المجرد إذا ظهر فيها وقيل هذه صورته بالغضب والرضى كالأجسام الطبيعية كما قال صلى الله عليه وسلم عن نفسه أنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر وأرضى كما يرضى البشر وإذا كان الجنات الألهي الذي ليس كمثله شيء قد وصف نفسه بالرضى والغضب في هاتين الصفتين وفي أمثالهما مما وصف الحق بها نفسه ومن تلك الحقيقة ظهرت في العالم ولهذا قلنا أن الله سبحانه علمه بنفسه علمه بالعالم لا يكون إلا هكذا فكل حقيقة ظهرت في العالم وصفة فلها أصل إلهي ترجع إلهي ترجع إليه لولا ذلك الأصل الإلهي يحتفظ عليه وجودها ما وجدت ولا بقيت ولا يعلم ذلك إلا الآحاد من أهل الله فإنه علم خصوص قال تعالى ' وغضب الله عليه ' ثم ورد في الخبر ما هو أشد من هذا لمن عقل عن الله وهو ما ورد في الحديث الصحيح من قول الأنبياء في القيامة أن الله قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله ولن يغضب بعده مثله فهذا أشد من ذلك حيث اتصف غضبه باحدوث والزوال وفي ذلك المقام يقول محمد صلى الله عليه وسلم فيمن بدل من أصحابه بعده سحقا لاقتضاء الحال والموطن فإن صاحب السياسة يجري في أحكامه بحسب الأحوال والمواكن ومن نعوت المحبين الكمد وهو أشد حزن القلب لا يجري معه دمع إلا أن صاحبه يكون كثير التأوه والتنهد وهو حزن يجده في نفسه لا على فايت ولا تقصير وهذا هو الحزن المجهول الذي هو من نعوت المحبين ليس له سبب إلا الحب خاصة وليس له دواء إلا وصال المحبوب فيفنيه شغله به عن الإحساس بالكمد وإن لم تقع الوصلة بالمحبوب اتصال ذوات فيكون المحبوب مما يأمره فيشغله القيام بأوامره وفرحه بذلك عن الكمد فأكثر ما يكون الكمد إذا لم يقع بينه وبين المحبوب ما يشغله عن نفسه وليس للمحب صفة تزول مع الإشتغال غير الكمد ونعوت المحبة كثيرة جدا مثل الأسف الوله البهت الدهش الحيرة الغيرة والخرس السقام القلق الخمود البكاء التبريح والوجد والسهاد وما ذكره المحبون في أشعارهم من ذلك وكلامنا في هذا الباب ما يختص بحب الله لعباده وحب العباد لله لا غير ذلك فالله سبحانه قد ذكر أقواما يحبهم لصفة قامت بهم أحبهم لأجلها كما سلب محبته عن قوم لصفات قامت بهم ذكر ذلك في كتابه وعن لسانه رسول الله صلى الله عليه وسلم النتهى الجزء الثالث عشر ومائة بانتهاء السفر الخامس عشرلله صلى الله عليه وسلم النتهى الجزء الثالث عشر ومائة بانتهاء السفر الخامس عشر

صفحه ۳۳۶