835

فتوحات مکیه

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ویراست

الأولى

سال انتشار

1418هـ- 1998م

محل انتشار

لبنان

مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
ایوبیان

فحبيبي مني وفي عندي . . . فلمإذا أقول ما بي وما بي أما قولنا يذهب الحب بالعقول فإنهم قالوا ولا خير في حب يدبر بالعقل وقال أبو العباس المقراني الكساد الحب أملك للنفوس من العقول وإنما قالوا ذلك لأن العقل يقيد صاحبه والحب من أوصافه الضلال والحيرة تفرقك قا لاخوة يوسف ليعقوب إنك لفي ضلالك القديم يريدون حيرته في حب يوسف والحيرة تفرق ولا تجمع ولهذا وصفت المحبة بالبث وهو تفرق هموم المحب في وجوده كثيرة قال تعالى ' وبث منهما رجالا كثيرا ونساء وكذلك قوله ' هباء منبثا ' والمحب في حكم محبوبه فلا تدبير له في نفسه وإنما هو يحكم ما يعطيه ويأمره به سلطان الحب المستوى على قلبه ومن ضلالته في حبه أنه يتخيل في كل شخص أن محبوبه حسن عندهوأنه يرى مثل ما يراه هذا المحب وهذا من الحيرة وعلى هذا جرى المثل حسن في كل عين من تود يعني عندك أيها المحب تتخيل أن كل من يرى محبوبك يحسن عنده كما يحسن عندك ومن ضلالة المحب أنه يتحير في الوجود التي يرى أنه يحصل محبوبه منها فيقول أفعل كذا لنصل بهذا الفعل إلى محبوبي أو كذا وكذا فلا يزال يحار في أي الوجوه يشرع لأنه يتخيل أن وجود اللذة بمحبوبه في الحس أعظم منهم في الخيال وذلك لغلبة الكثافة على هذا المب ويغفل عن لذة التخيل في حال النوم فإنه أشد من التذاذه بالخيال لأنه أشد أتصالا به من الخيال والأتصال بالخيال أشد من الأتصال بالخارج وهو المحسوس فلذته بمعنى أشد أتصالا من الخيال فيحار المحب في تحصيل الوجوه التي بها يصل إلى الأتصال من خارج ويسئل عن ذلك من يعرف أن عنده خبرا من هذا الشأن عسى يجد عنده حيلة في ذلك ولا سيما وقد سمع في ذلك في قول القائل لوصح منك الهوى أرشدت للحيل يعني فيما تصنع حتى تتصل بالمحبوب وصل فأول ما أذكره من نعوت المحبين ما حدثنا به يونس بن يحيى بن أبي الحسن الهاشمي العباسي القصار بمكة تجاه الركن اليماني من الكعبة المعظمة سنة تسع وتسعين وخمسمائة قال أخبرنا ابن عبد الباقي أخبرنا أحمد بن أحمد أخبرنا أحمد بن عبد الله حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا أبو بكر الدينوري المفسر سنة ثمان وثمانين ومائتين حدثنا محمد بن أحمد الشمساطي قال سمعت ذا النون يقول أن لله عبادا ملأ قلوبهم من صفاء محض محبته وفسح أرواحهم بالشوق إلى رؤيته فسبحان من شوق إليه أنفسهم وأدنى منه فهمهم وصفت له صدورهم فسبحان موفقهم ومؤنس وحشتهم وطبيب أسقامهم ألهي لك تواضعت أبدانهم وإلى الزيادة منك أنبسطت أيديهم فأذقتهم من حلاوة الفهم عنك ما طيبت به عيشهم وأدمت به نعيمهم ففتحت لهمأبواب سمواتك وأبحت لقلوبهم الجولان في ملكوتك بل مانسيت محبة المحبين وعليك معول شوق المشتاقين وإليك حنت قلوب العارفين وبك أنست قلوب الصادقين وعليك عكفت رهبة الخائفين وبك أستجارت أفئدة المقصرين قد يئست الراحة من فتورهم وقل طمع الغفلة فهم لا يسكنون إلى محادثة الفكرة فيما لا يعنيهم ولا يفترون عن التعب والسهر يناجونه بألسننتهم ويتضرعون إليه بمسكهم يسألونه العغو عن زلاتهم والصفح عما وقع من الخطاء في أعمالهم فهم الذين ذابت قلوبهم بفكر ألاحزان وخدموه خدمة ألابرار ومن نعوتهم رضى الله عنهم النحول وهو نعت يتعلق بكنائفهم وبلطائفهم فاماتعلقه بلطائفهم فإن أرواح المحبين وأن لطفت عن أدراك الحواس ولطفت عن تصوير الخيال فإن الحب يلطفها الطاقة السراب لمعنى أذكره لك أن السراب يحسبه الظمآن ماء وذلك لظمئه لولا ذلك ماحسبه ماء لان الماء موضع حاجته فيلجأإليه لكونه مطلوبه ومحبوبه لما فيه من سر الحياة فإذا ججاءه لم يجده شيأوإذا لم شيأ وجد الله عنده عوضا من الماء فكان قصده حسا للماء والله يقصده به إليه من حيث لايشعر فكماأنه تعالى يمكر بالعبد من حيث لايشعر كذلك يعتني بالعبد في ألالتجاء إليه والرجوع أليه وألاعتماد عليه بقطع ألاسباب عنه عند مايبديها له من حيث لايشعر فوجود الله عنده عندفقد الماء المتخيل له في السراب هو رجوعه الىالله لما تقطت به ألاسباب وتغلقت دون مطلوبه ألابواب رجع إلى من بيده ملكوت كل شيءوهو كان المطاوب به من الله هذا فعله مع أحباه يردهم أليه أضطرارا واختيارا كذلك أرواحهم يحسبونها قائمة بحقوق الله التي فرضها عليها وأنها المتصرفة عن أمر الله محبة لله وشوقا إلى مرضائه ليراها حيث أمرها فإذا كشف لها الغطاء واحتد بصرها وجدت نفسها كالسراب في شكل الماء فلم ترقائما بحقوق الله ألاخالق ألافعال وهو الله فوجدت الله ماتخيلت إنه عينهافذهب عينها عنه وبقي المشهود الحق بعين الحق كما فنى ماء السراب عن السراب والسراب مشهود في نفسه وليس بماء كذلك الروح موجود في نفسه وليس بفاعل فعلم عند ذلك أن المحب عين المحبوب وأنه ما أحب سواه ولا يكون ألا كذلك وألطف من هذا النحول في الأرواح فلا يكون وأما النوع المتعلق من النحول بكثائفهم فهو ما يتعلق به الحس من تغير ألوانهم وذهاب لحوم أبدانهم لأستيلاء جولان أفكارهم في أداء ما كلفهم المحبوب أداءه مما أفترضه عليهم فبذلوا المجهود ليتصفوا بالوفاء بالعهود أذ كانوا عاهدوا الله على ذلك وعقدوا عليه في إيمانهم به وبرسوله وسمعوه يقول آمرا ' يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ' وقال ' أوفوا بعهدي ولا تنقضوا الميثاق ' وقد جعلتم الله عليكم كفيلا فهذا سبب نحول أجسامهم ومن نعوت المحبين الذبول وهو نعت صحيح في أرواحهم وأجسامهم أما في أجسامهم فسببه ترك ملاذ الأطعمة الشهية التي لها الدسم والرطوبة وهي مستلذة للنفوس وتورث في الأجسام نضرة النعيم فلما رأوا رضى الله عنهم أن الحبيب كلفهم القيام بين يديه ومناجاته ليلا عند تجليه ونوم النائمين ورأوا أن الرطوبات الحاصلة في أجسامهم تصعد منها أبخرة إلى الدماغ تخدر الحواس وتغمرها فيغلبهم النوم عما في نفوسهم من القيام بين يدي محبوبهم لمناجاته في خلواتهم حين ينامون ثم أن تلك الأبخرة تورث قوة في أبدانهم تؤدي تلك القوة الجوارح إلى التصرف في الفضول الذي حجر عليهم التصرف فيه محبوبهم فتركوا الطعام والشراب الأقدر ما تمس الحاجة إليه من ذلك فقلت الرطوبة في أجسامهم فزالت عنهم نضرة النعيم وذبلت شفاههم وأسترخت أبدانهم وراح نومهم وتقوى سهرهم فنالوا مقصودهم من القيام بين يديه ووجدوا المعونة على ذلك بما تركوه فذلك هو ذبول الأجسام وأما ذبول أرواحهم فإن لهم نعيما بالمعارف والعلوم لأن لهم نسبة إلى أرواح الملأ الأعلى ليأنسوا بالجنس رغبة في المعاونة لما سمعوا الله تعالى يقول ' وتعاونوا على البر والتقوى ' فتخيلوا أنهم المخاطبون بذلك وليس الأمر كذلك فإن الذين خوطبوا بذلك هم الذين يليق بهم أن يتعاونوا على الأثم والعدوان ولذلك أردف بالنهي فقال ' ولا تعاونوا على الأثم والعدوان وأتقوا الله ' وهذا ليس من صفات الملأ الأعلى فلما عرفوا غلطهم في ذلك عدلوا عن هذه الآية إلى قوله ' وأستعينوا بالله وأصبروا ' أي أحبسوا نفوسكم مع الله فلما فارقوا الجنس بهذه الآية ذبلت أرواحهم وقد كانت في نضرة النعيم بمجالسة الجنس لأنها تعلقت بمن ليس كمثله شيء فلم تعرف بينها وبينه مناسبة مثلية فتتعلق بها فقالت لها المعرفة بالله هو ما خاطبك سبحانه ألا بلسانك ولحنك ولغتك وما تواطأ عليه أهل ذلك اللسان الذين أنت منهم فأرجع إلى مفهوم ما خاطبك به فإنه لم يخرجه عن حقيقة مدلوله ولا تنال بجهلك النسبة إليه من ذلك فإن تلك الصفة التي خاطبك بها تطلبه بذاتها لأنه وصف نفسه بها ولا تكون صفاته ألا بمناسبة خاصة منا إليه فإذا تعلقت أنت بتلك الصفة ولزمتها بالضرورة تحصلك عنده فتعلم عند ذلك صورة نسبتها إليه علم ذوق وتجل ألهي فيزيد ذبولك حتى تصير كالنقطة المتوهمة كما قال بعضهم فلم ترقائما بحقوق الله ألاخالق ألافعال وهو الله فوجدت الله ماتخيلت إنه عينهافذهب عينها عنه وبقي المشهود الحق بعين الحق كما فنى ماء السراب عن السراب والسراب مشهود في نفسه وليس بماء كذلك الروح موجود في نفسه وليس بفاعل فعلم عند ذلك أن المحب عين المحبوب وأنه ما أحب سواه ولا يكون ألا كذلك وألطف من هذا النحول في الأرواح فلا يكون وأما النوع المتعلق من النحول بكثائفهم فهو ما يتعلق به الحس من تغير ألوانهم وذهاب لحوم أبدانهم لأستيلاء جولان أفكارهم في أداء ما كلفهم المحبوب أداءه مما أفترضه عليهم فبذلوا المجهود ليتصفوا بالوفاء بالعهود أذ كانوا عاهدوا الله على ذلك وعقدوا عليه في إيمانهم به وبرسوله وسمعوه يقول آمرا ' يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ' وقال ' أوفوا بعهدي ولا تنقضوا الميثاق ' وقد جعلتم الله عليكم كفيلا فهذا سبب نحول أجسامهم ومن نعوت المحبين الذبول وهو نعت صحيح في أرواحهم وأجسامهم أما في أجسامهم فسببه ترك ملاذ الأطعمة الشهية التي لها الدسم والرطوبة وهي مستلذة للنفوس وتورث في الأجسام نضرة النعيم فلما رأوا رضى الله عنهم أن الحبيب كلفهم القيام بين يديه ومناجاته ليلا عند تجليه ونوم النائمين ورأوا أن الرطوبات الحاصلة في أجسامهم تصعد منها أبخرة إلى الدماغ تخدر الحواس وتغمرها فيغلبهم النوم عما في نفوسهم من القيام بين يدي محبوبهم لمناجاته في خلواتهم حين ينامون ثم أن تلك الأبخرة تورث قوة في أبدانهم تؤدي تلك القوة الجوارح إلى التصرف في الفضول الذي حجر عليهم التصرف فيه محبوبهم فتركوا الطعام والشراب الأقدر ما تمس الحاجة إليه من ذلك فقلت الرطوبة في أجسامهم فزالت عنهم نضرة النعيم وذبلت شفاههم وأسترخت أبدانهم وراح نومهم وتقوى سهرهم فنالوا مقصودهم من القيام بين يديه ووجدوا المعونة على ذلك بما تركوه فذلك هو ذبول الأجسام وأما ذبول أرواحهم فإن لهم نعيما بالمعارف والعلوم لأن لهم نسبة إلى أرواح الملأ الأعلى ليأنسوا بالجنس رغبة في المعاونة لما سمعوا الله تعالى يقول ' وتعاونوا على البر والتقوى ' فتخيلوا أنهم المخاطبون بذلك وليس الأمر كذلك فإن الذين خوطبوا بذلك هم الذين يليق بهم أن يتعاونوا على الأثم والعدوان ولذلك أردف بالنهي فقال ' ولا تعاونوا على الأثم والعدوان وأتقوا الله ' وهذا ليس من صفات الملأ الأعلى فلما عرفوا غلطهم في ذلك عدلوا عن هذه الآية إلى قوله ' وأستعينوا بالله وأصبروا ' أي أحبسوا نفوسكم مع الله فلما فارقوا الجنس بهذه الآية ذبلت أرواحهم وقد كانت في نضرة النعيم بمجالسة الجنس لأنها تعلقت بمن ليس كمثله شيء فلم تعرف بينها وبينه مناسبة مثلية فتتعلق بها فقالت لها المعرفة بالله هو ما خاطبك سبحانه ألا بلسانك ولحنك ولغتك وما تواطأ عليه أهل ذلك اللسان الذين أنت منهم فأرجع إلى مفهوم ما خاطبك به فإنه لم يخرجه عن حقيقة مدلوله ولا تنال بجهلك النسبة إليه من ذلك فإن تلك الصفة التي خاطبك بها تطلبه بذاتها لأنه وصف نفسه بها ولا تكون صفاته ألا بمناسبة خاصة منا إليه فإذا تعلقت أنت بتلك الصفة ولزمتها بالضرورة تحصلك عنده فتعلم عند ذلك صورة نسبتها إليه علم ذوق وتجل ألهي فيزيد ذبولك حتى تصير كالنقطة المتوهمة كما قال بعضهم أصبحت فيك من الضنا . . . كالنقطة المتوهمه

وهي التي لا وجود لها ألا في الوهم فهذا نعتهم في الذبول وقد روينا في خبر مؤيد بكشف أن أسرافيل عليه السلام وهو من أرفع الأرواح العلوية يتضاءل في نفسه كل يوم لأستيلاء عظمة الله على قلبه سبعين مرة حتى يصير كالوضع كما يحشر المتكبرون في نفوسهم على عباد الله يوم القيامة كأمثال الذر ذلة وصغارا وذلك لما ظهروا به في الدنيا من التعاظم والتكبر فهذا نعت ذبولهم في أرواحهم وأجسامهم ومن نعوت المحبين أيضا الغرام وهو الأستهلاك في الحبوب بملازمة الكمد قال تعالى ' أن عذابها كان غراما ' أي مهلكا لملازمة شهود المحبوب فإن الغريم هو الذي لزمه الدين وبه سمى غريما ومقلوبه أيضا الرغام وهو اللصوق بالتراب فإن الرغام التراب يقال رغم أنفه أذ كان الأنف محل العزة قوبل بالرغام في الدعاء فألصقوه بالتراب فيكون الغرام حكمه في المغرم من المقلوب فهو موصوف بالذلة لأن التراب أذل الأذلاء ولهذا وصفت الأرض بأنها ذلول على طريق المبالغة لكون الأذلاء يطؤنها ولما لازم الحب قلوب المحبين والشوق قلوب المشتاقين والأرق نفوس الأرقين وكل صفة للحب موصوفها منه سمى صاحب هذه الملازمات كلها مغرما وسميت صفته غراما فهو إسم يعم جميع ما يلزم المحب من صفة الحب فليس للمحب صفة أعظم أحاطة من الغرام ومن نعوت المحبين الشوق وهو حركة روحانية إلى لقاء المحبوب وحركة طبيعية جسمانية حسية إلى لقاء المحبوب إذا كان من شكله ذلك المحبوب فإذا لقيه أي محبوب كان فإنه يجد سكونا في حركة فيتحير لمإذا ترجع تلك الحركة مع وجود اللقاء ويراها تتنيد ويدركه معها خوف في حال الوصلة فيجد الخوف متعلقه توقع الفرقة ويجد الحركة الأستياقية تطلب أستدامة حالة الوصلة ولذلك يهيج باللقاء كما قيل في الشوق

وأبرح ما يكون الشوق يوما . . . إذا دنت الديار من الديار

وقال الآخر فيما ذكرناه من الخوف في حال الوصلة

صفحه ۳۳۴