فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
فلا بد من وجد يكون مقارنا . . . لكا زاد من حسن نظاما محررا أشير إلى تجليه سبحانه في صور مختلفة في الآخرة لعباده وفي الدنيا لقلوب عباده كما ورد في صحيح مسلم من تحوله سبحانه في الصور كما ينبغي لذاته من غير تشبيه ولا تكييف فوالله لولا الشريعة التي جاءت بالأخبار الإلهي ما عرف الله أحد ولو بقينا مع الأدلة العقلية التي دلت في زعم العقلاء على العلم بذاته بأنه ليس كذا وليس كذا ما أحبه مخلوق فلما جاء الخبر الإلهي بألسنة الشرائع بأنه سبحانه كذا وكذا من أمور تناقض ظواهرها الأدلة العقلية أحببناها لهذه الصفات الثبوتية ثم بعد أن أوقع النسب وثبت السبب والنسب الموجبات للمحبة قال ليس كمثله شئ فثبت الأسباب الموجبة للحب التي نفاها العقل بدليله وهذا معنى قوله فخلقت الخلق فتعرفت إليهم فعرفوني فما يعرف الله إلا بما أخبر به عن نفسه من حبه أيانا ورحمته بنا ورأفته وشفقته وتحببه ونزوله في التحديد لنمثله تعالى ونجعله نصب أعيننا في قلوبنا وفي قبلتنا وفي خيالنا حتى كأنا نراه فينا لأنا عرفناه بتعريفه ولا بنظرنا ومنا من يراه ويجهله فكما أنه لا يفتقر إلى غيره كذلك والله لا يحب في الموجودات غيره فهو الظاهر في كل محبوب لعين كل محب وما في الموجود إلا المحب فالعالم كله محب ومحبوب وكل ذلك راجع إليه كما أنه لم يعبد سواه فإنه ما عبد من عبد إلا بتخيل الإلهية فيه ولولاها ما عبد يقول تعالى ' وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ' وكذلك الحب ما أحب أحد غير خالقه ولكن احتجب عنه تعالى بحب زينب وسعاد وهند وليلى والدنيا والدرهم والجاه وكل محبوب في العالم فأفنت الشعراء كلامها في الموجودات وهم لا يعلمون والعارفون لم يسمعوا شعرا ولا لغزا ولا مديحا ولا تغزلا إلا فيه من خلف حجاب الصور وسبب ذلك الغيرة الإلهية أن يحب سواه فإن الحب سببه الجمال وهو له لأن الجمال محبوب لذاته والله جميل يحب الجمال فيحب نفسه وسببه الآخر الإحسان وما ثم إحسان إلا من الله ولا محسن إلا الله فإن أحببت للأحسان فما أحببت إلا الله فإنه المحسن وإن أحببت للجمال فما أحببت إلا الله تعالى فإنه الجميل فعلى كل وجه ما متعلق المحبة إلاالله ولما علم الحق نفسه فعلم العالم من نفسهفأخرجه على صورته فكان له مرآة يرى صورته فيه فما أحب سوى نفسه فقوله يحببكم الله على الحقيقة نفسه أحب إذ الإتباع سبب الحب واتباعه صورته فكان له مرآة العالم سبب الحب لأنه لا يرى سوى نفسه وسبب الحب النوافل وهي الزيادات وصورة العالم زيادة في الوجود فأحب العالم نافلة فكان سمعه وبصره حتى لا يحب سوى نفسه وما أعمضها من مسئلة وما أسرع تفلتها من الوهم فإنه اتفق في الوجود أمر غريب وذلك أن ثم أمورا يتحقق بها العقل ويثبت عليها ولا يتزلزل وتتفلت من الوهم ولا يقدر يبقى على ضبطها مثل هذه المسئلة يثبتها العقل ولا يقدر يزول عنها وتتلفت من الوهم ولا يقدر على ضبطها وثم أمور أخر بالعكس تتفلت من العقل وتثبت في الوهم ويحكم عليها ويؤثر فيها كمن يعطيه العقل بدليله أن رزقه لا بد أن يأتيه سعى إليه أو لم يسع فيتلفت هذا العلم عن العقل ويحكم عليه الوهم بسلطانه أنك إن لم تسع في طلبيه تموت فبغلب عليه فيقوم يتعمل في تحصيله فحقه من جهة عقله زائل وما باطله من جهة وهمة ثابت لا يتزلزل وكمن يرى حية أو أسدا على صورة لا يتمكن فيما يغطيه العقل إن يصل ضرره إليه فيغيب عن ذلك الدليل ويتوهم ضرره فينفر منه ويتغير وجهه وباكنه بحكم الوهم وسلطانه وهذا موجود فللوهم سلطان في مواطن وللعقل سلطان في مواطن فلنذكر فيهذا الباب إن شاء الله من لوازم الحب ومقامقته ما تيسر فنقول أ ، الحب تعلق خاص من تعلقات الإرادة فلا تتعلق المحبة إلا بمعدوم غير موجود في حين التعلق يريد موجود ذلك المحبوب أو وقوعه وإ ، ما قلت أو وقوعه لأنها قد تتعلق باعدام الموجود واعدام الموجود في حال كون الموجود موجودا ليس بواقع فإذا عدم الموجود الذي تعلقت بهالمحبة فقد وقع ولا يقال وجد تلإعدام فإنه جهل من قائله وقولنا يريد وجود ذلك المحبوب وإن المحبوب على الحقيقة إنما هو معدوم فذلك أن المحب للمحب هو إرادة أوجبت الإتصال بهذا الشخص المعين كائنا من كان إن كان ممن من شأنه أن تعانق فيحب عناقه أو ينكح فيحب نكاحه أو يجالس فيحب مجالسته فما تعلق حبه إلا بمعدوم في الوقت من هذا الشخص فيتخيل أن حبه متعلق بالشخص وليس كذلك وهذا هو الذي يهيجه للقائه ورؤيته فلو كان يحب شخصه أو وجوده في عينه فهو في شخصيته أو في وجوده فلا فائدة لتعلق الحب به فإن قلت إنا كنا تحب مجالسة شخص أو تقبيله أو عناقه أو تأنيسه أو حديثه ثم نرى تحصل ذلك والحب لا يزول مع وجود العناق والوصال فإذا متعلق الحب قد لا يكون معدوما قلنا أنت غالط إذا تعلقت المحبة بعناقه أو مجالسته أو موآنسته فإن متعلق حبك في تلك الحال ما هو بالحاصل وإنما هو بدوام الحاصل واستمراره والدوام والاستمرار معدوم ما دخل في الوجود ولا يتناهى مدته فإذا ما تعلق الحب في حالة الوصلة إلا بمعدوم هو دوامها وما أحسن ما جاء بالقرآن قوله ' يحبهم ويحبونه ' بضمير الغائب والفعل المستقبل فما أضاف متعلق الحب إلا لغائب ومعدوم وكل غائب فهو معدوم إضافي فمن أوصاف المحبة أن يجمع المحب في حبه بين الضدين ليصح كونه على الصورة لما فيه من الإختيار وهذا هو الفرق بين الحب الطبيعي والروحاني والإنسان يجمعهما وحده والبهائم تحب ولا تجمع بين الضدين بخلاف الإنسان وإنما جمع الإنسان في حبه بين الضدين لأنه على صورته وقد وصف نفسه بالضدين وهو قوله ' هو الأول والآخر والظاهر والباطن ' وصورة جمع الحب بين الضدين أن الحب من صفاته اللازمة له حب الإتصال بالمحبوب ومن صفاته اللازمة حب ما حبه المحبوب فيحب المحبوب الهجر فإن أحب المحب الهجر فقد فعل ما نقتضيه المحبة فإن المحبة تطلب الإتصال وإن أحب الإتصال فقد فعل ما لا تقتضيه المحبة فإن المحب يحب ما يحب محبوبه ولم يفعل فالمحب محجوب على كل حال وغاية الجمع بينهما أنيحب حب المحبوب للهجر لا الهجر ويحب الإتصال ولا تخرج هذه المسألة على أكثر من هذا كالراضي بالقضاء فيصح له إسم الرضا بالقضاء مع إنه كونه لا يرضى بالمقضي إذا كان المقضي به كفرا كذا ورد الشرع وهكذا في مسألة الحب يحب المحب الإتصال بالمحبوب ويحب حب المحبوب الهجر لا يحب الهجر لأن الهجر ما هو عين حب المحبوب الهجر كما أن القضاء ما هو عين المقضي فإن القضاء حكم الله بالمقضي لا عين المقضي فيرضى بحكم الله وحب الحيوان ليس كذلك لأنه حب طبيعي لا روحاني فيطلب الإتصال بمن يحب خاصة ولا يعلم أن محبوبه له حب في كذا علم له بذلك فلهذا قسمنا الحب الذي هو صفة للإنسان إلى نوعين فيه حب طبيعي وبه يشارك البهائم والحيوانات وحب روحاني وبه ينفصل ويتميز عن حب الحيوان وإذا تقرر هذا وصل فعلم أن الحب منه إلهي وروحاني وطبيعي وما ثم حب غير هذا فالحب الإهلي هو حب الله لنا وحبنا الله أيضا قد يطلق عليه أنه إلهي والحب الروحاني هو الذي يسعى به في مرضات المحبوب لا يبقى له مع محبوبه غرض ولا إرادة بل هو بحكم ما يراد به خاصة والحب الطبيعي هو الذي يطلب به جميع نيل أغراضه سواء سر ذلك المحبوب أو لم يسره وعلى هذا أكثر حب الناس اليوم فلنقدم أولا الكلام على الحب الإلهي في وصل ثم يتلوه وصل في الحب الروحاني ثم يتلمه وصل ثالث في الحب الطبيعي والله يقول الحق وهو يهدي السبيللك وهذا هو الذي يهيجه للقائه ورؤيته فلو كان يحب شخصه أو وجوده في عينه فهو في شخصيته أو في وجوده فلا فائدة لتعلق الحب به فإن قلت إنا كنا تحب مجالسة شخص أو تقبيله أو عناقه أو تأنيسه أو حديثه ثم نرى تحصل ذلك والحب لا يزول مع وجود العناق والوصال فإذا متعلق الحب قد لا يكون معدوما قلنا أنت غالط إذا تعلقت المحبة بعناقه أو مجالسته أو موآنسته فإن متعلق حبك في تلك الحال ما هو بالحاصل وإنما هو بدوام الحاصل واستمراره والدوام والاستمرار معدوم ما دخل في الوجود ولا يتناهى مدته فإذا ما تعلق الحب في حالة الوصلة إلا بمعدوم هو دوامها وما أحسن ما جاء بالقرآن قوله ' يحبهم ويحبونه ' بضمير الغائب والفعل المستقبل فما أضاف متعلق الحب إلا لغائب ومعدوم وكل غائب فهو معدوم إضافي فمن أوصاف المحبة أن يجمع المحب في حبه بين الضدين ليصح كونه على الصورة لما فيه من الإختيار وهذا هو الفرق بين الحب الطبيعي والروحاني والإنسان يجمعهما وحده والبهائم تحب ولا تجمع بين الضدين بخلاف الإنسان وإنما جمع الإنسان في حبه بين الضدين لأنه على صورته وقد وصف نفسه بالضدين وهو قوله ' هو الأول والآخر والظاهر والباطن ' وصورة جمع الحب بين الضدين أن الحب من صفاته اللازمة له حب الإتصال بالمحبوب ومن صفاته اللازمة حب ما حبه المحبوب فيحب المحبوب الهجر فإن أحب المحب الهجر فقد فعل ما نقتضيه المحبة فإن المحبة تطلب الإتصال وإن أحب الإتصال فقد فعل ما لا تقتضيه المحبة فإن المحب يحب ما يحب محبوبه ولم يفعل فالمحب محجوب على كل حال وغاية الجمع بينهما أنيحب حب المحبوب للهجر لا الهجر ويحب الإتصال ولا تخرج هذه المسألة على أكثر من هذا كالراضي بالقضاء فيصح له إسم الرضا بالقضاء مع إنه كونه لا يرضى بالمقضي إذا كان المقضي به كفرا كذا ورد الشرع وهكذا في مسألة الحب يحب المحب الإتصال بالمحبوب ويحب حب المحبوب الهجر لا يحب الهجر لأن الهجر ما هو عين حب المحبوب الهجر كما أن القضاء ما هو عين المقضي فإن القضاء حكم الله بالمقضي لا عين المقضي فيرضى بحكم الله وحب الحيوان ليس كذلك لأنه حب طبيعي لا روحاني فيطلب الإتصال بمن يحب خاصة ولا يعلم أن محبوبه له حب في كذا علم له بذلك فلهذا قسمنا الحب الذي هو صفة للإنسان إلى نوعين فيه حب طبيعي وبه يشارك البهائم والحيوانات وحب روحاني وبه ينفصل ويتميز عن حب الحيوان وإذا تقرر هذا وصل فعلم أن الحب منه إلهي وروحاني وطبيعي وما ثم حب غير هذا فالحب الإهلي هو حب الله لنا وحبنا الله أيضا قد يطلق عليه أنه إلهي والحب الروحاني هو الذي يسعى به في مرضات المحبوب لا يبقى له مع محبوبه غرض ولا إرادة بل هو بحكم ما يراد به خاصة والحب الطبيعي هو الذي يطلب به جميع نيل أغراضه سواء سر ذلك المحبوب أو لم يسره وعلى هذا أكثر حب الناس اليوم فلنقدم أولا الكلام على الحب الإلهي في وصل ثم يتلوه وصل في الحب الروحاني ثم يتلمه وصل ثالث في الحب الطبيعي والله يقول الحق وهو يهدي السبيل الوصل الأول في الحب الإلهي وهو أن يحبنا لنا ولنفسه أما حبه إيانا لنفسه قهو قوله أحببت أن أعرف فخلقت الخلق فتعرفت إليهم فعرفوني فما خلقنا لإلا لنفسه حتى نعرفع وقوله ' وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ' فما خلقنا إلا لنفسه وأما حبه إيانا لنا فلما عرفنا به من الأعمال التي تؤدينا إلى سعادتنا ونجاتنا من الأمور التي لا توافق أغراضنا ولا تلاشم طباعنا خلق سبحانه الخلق ليسبحوه فنطقهم بالتسبيح له والثناء عليه والسجود له ثم عرفنا بذلك فقال ' وإن من شئ إلا يسبح بحمده ' أي بالثناء عليه بما هو عليه وما يكون منهوعرمنا أيضا فقال ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه فلزم ذلك وثابر عليه وخاطب بهذه الآية نبيه صلى الله عليه وسلم الذي أشهده ذلك ورآه فقال له ألم تر ولم تقل ألم تروا فإنا ما رأينا فهو لنا إيمان وهو لمحمد صلى الله عليه وسلم عيان وكذا قال له أيضا لكا أشهده سجود كل شئ ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس فما ترك أحدا فإنه ذكر من في السموات ومن فيالأرض فذكر العالم العلوي والسفلي فاشهده سجود كل شئ فكل من أشهده الله ذلك ورآه دخل تحت هذا الخطاب وهذا تسبيح فطري ذاتي عن تجلي تجلي لهم فاحبوه فإنبعثوا إلى الثناء عليه من غير تكليف بل اقتضاء ذاتي وهذه هي العبادة الذاتية التي أقامهم الله بحكم الاستحقاق الذي يستحقه وكذلك قال في أهل الكشف وهم عامة الإنس وكل عاقل أو لم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون هذا حظ النعيم البصري ثم أخبر أن ذلك التفيئ يمينا وشمالا أنه سجود لله وصغار وذلة لجلاله فقال سجد الله وهم داخرون فوصفهم بعقليتهم أنفسهم حتى سجدوا لله داخرين ثم أخبر فقال متمما ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة أي ممن يدب عليها يقول يمشي وهم يعني أهل السموات والملائكة يعني التي ليست في سماء ولا أرض ثم قال وهم لا يستكبرون يعني عن عبادة ربهم ثم وصفهم بالخوف ليعلمنا أنهم عالمون بمن سجدوا له ثم وصف المأمورين منهم أنهم يفعلون ما يؤمرون وهم الذين قال فيهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وقال في الذين هم عند ربهم يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون أي لا يملون كل ذلك يدل على أن العالم كله في مقام الشهود والعبادة إلا كل مخلوق له قوة التفكر وليس إلا النفوس الناطقة الأنسانية والجانية خاصة من حيث أعيان أنفسهم لا من حيث هياكلهم فإن هياكلهم كسائر العالم في التسبيح له والسجود فاعضاء البدن كلها بتسبيحه ناطقة ألا تراها تشهد على النفوس المسخرة لها يوم القيامة من الجلود والأيدي والأرجل والألسنة والسمع والبصر وجميع القوى فالحكم لله العلي الكبير وهذا كله من حكم حبه إيانا لنفسه فمن وفى شكره ومن لم يوف عاقبه فنفسه أحب وتعظيمه والثناء عليه أحب وأما حبه أيانا لنا فإنه عرفنا بمصالحنا دنيا وآخرة ونصب لنا الأدلة على معرفته حتى نعلمه ولا نجهله ثم أنه رزقنا وأنعم علينا مع تفريطنا بعد علمنا به وأقامة الدليل عندنا على أن كل نعمة نتقلب فيها أنما ذلك من خلقه وراجعة إليه وأنه ما أوجدها ألا من أجلنا لتنعم بها ونقيم بذلك وتركنا نرأس ونربع ثم أنه بعد هذا الأحسان التام لم نشكره والعقل يقضي فشرع لنا الطريق الموصل إلى سعادتنا وأبانه وحذرنا من الأمور المردية وأجتناب سفساف الأخلاق ومذامها ثم أقام الدلالة على صدقه عندنا فجاء بالبينات وقذف في قلوبنا نور الايمان وحببه إلينا وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيلن فآمنا وصدقنا ثم علينا بالتوفيق فأستعملنا في محابه ومراضيه فعلمنا أنه لولا ما أحبنا ما كان شيء من هذا كله ثم أن رحمته سبقت غضبه وأن شقي من شقي فلا بد من شمول الرحمة والعناية والمحبة الأصلية التي تؤثر في العواقب ولما سبقت المحبة وحقت الكلمة وعمت الرحمة وكانت الدار الدنيا دار أمتزاج وحجاب بما قدره العزيز العليم خلق الآخرة ونقلنا إليها وهي دار لا تقبل الدعاوي الكاذبة فأقر الجميع بربو بيته هناك كما أقروا بربو بيته في قبضة الذر من ظهر آدم فكنا في الدار الدنيا وسطا بين طرفين طرفي توحيد وأقرار وفي الوسط وقع الشرك مع ثبوت الوجود فضعف الوسط ولذلك قالوا ما نعبدهم ألا ليقربونا إلى الله زلفى فنسبوا العظمة والكبرياء إلى الله تعالى في شركهم ثم أخبر تعالى أنه طبع على قلب كل من ظهر في ظاهر لقومه بصفة الكبرياء والجبروت وما جعل ذلك في قلوبهم بسبب طابع العناية فهم عند نفوسهم بما يجدونه من العلم الضروري أذ لاء صاغرين لذلك الطابع فما دخل الكبرياء على الله قلب مخلوق أصلا وأن ظهرت منه صفات الكبرياء فثوب ظاهر لا بطانة له منه وهذا كله من رحمته ومحبته في خلقه ليكون المآل إلى السعادة فلما ضعف الوسط وتقوى الطرفإن غلب في آخر الأمر وأمتلأت الداران وجعل في كل واحدة منهما نعيما لأهلها يتنعمون به بعدما ظهرهم الله بما نالوه من العذاب لينالوا النعيم على طهارة ألا ترى المقتول قودا كيف يطهره ذلك القتل من ظلم القتل الذي قتل من قتل به فالسيف محاء وكذلك أقامة الحدود في الدنيا كلها تطهير للمؤمنين حتى فرصة البرغوث والشوكة يشاكها وثم طائفة أخرى تقام عليهم حدود الآخرة في النار ليتطهروا ثم يرحمون في النار لما سبق من عناية المحبة وأن لم يخرجوا من النار فحب الله عباده لا يتصف بالبدء ولا بالغاية فإنه لا يقبل الحوادث ولا العوارض لكن عين محبته لعباده عين مبدأ كونهم متقدميهم ومتأخريهم إلى ما لا نهاية له فنسبة حب الله لهم نسبة كينونته كانت معهم أينما كانوا في حال عدمهم وفي حال وجودهم فكما هو معهم في حال وجودهم هم معهم في حال عدمهم لأنهم معلممون له مشاهد لهم محب فيهم لم يزل ولا يزال لم يتجدد عليه حكم لم يكن عليه بل لم يزل محبا خلقه كما لم يزل عالما بهم فقوله فأحبيت أن أعرف تعريفا لنا مما كان الأمر عليه في نفسه كل ذلك كما لا يليق بجلاله لا يعقل تعالى ألا فاعلا خالقا وكل عين فكانت معدومة لعينها معلومة له محبوبا له إيجاها ثم أحدث له الوجود بل أحدث فيها الوجود بل كساها حلة الوجود فكانت هي ثم الأخرى ثم الأخرى على التوالي والتتابع من أول موجود المستند إلى أولية الحق وما ثم موجود آخر بل وجود مستمر في الأشخاص فالآخر في الأجناس والأنواع وليس الأشخاص في المخلوقات ألا في نوع خاص متناهية في الآخرة وأن كانت الدنيا متناهية فالأكوان جديدة لا نهاية لتكوينها لأن الممكنات لا نهاية لها فأبدها دائم كما الأزل في حق الحق ثابت لازم فلا أول لوجوده فلا أول لمحبته عباده سبحانه ذكر المحبة يحدث عند المحبوب عند التعريف الألهي لا نفس المحبة القرآن كلام الله لم يزل متكلما ومع هذا قال معرفا ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث فحدث عندنا الذكر لا في نفسه فالرحمة والنعمة والأحسان في البدء والعاقبة والمآل ولم يجر لإسم من أسماء الشقاء ذكر في الأتيان أنما هو رب أو رحمن ليعلمكم ما في نفسه لكم تكملة في الحب الألهي وهي كوننا نحب الله فإن الله يقول يحبهم ويحبونه ونسبة الحب ألينا ما هو نسبة الحب إليه والحب المنسوب إلينا من حيث ما تعطيه حقيقتنا ينقسم قسمين قسم يقال فيه حب روحاني والآخر حب طبيعي وحبنا الله تعالى بالحبين معا وهي مسألة صعبة التصور أذ ما كل نفس ترزق العلم بالأمور على ما هي عليه ولا ترزق الايمان بها على وفق ما جاء من الله في أخباره عنه ولذلك أمتن الله بمثل هذا على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا فنحن بحمد الله ممن شاء من عباده وما بقي لنا بعد التقسيم في حبنا إياه ألا أربعة أقسام وهي أما أن نحبه له أو نحبه لأنفسنا أو نحبه للمجموع أو نحبه ولا لواحد مما ذكرناه وهنا يحدث نظر آخر وهو لمإذا نحبه أذ وقد ثبت أنا نحبه فلا نحبه له ولا لأنفسنا ولا للمجموع فما هو هذا الأمر الرابع هذا فصل وثم تقسيم آخر وهو وأن أحببناه فهل نحبه بنا أو نحبه به أو نحبه بالمجموع أو نحبه ولا بشيء مما ذكرناه وكل هذا يقع الشرح فيه والكلام عليه أن شاء الله وكذلك نذكر في هذه التكملة ما بدء حبنا إياه وهل لهذا الحب غاية فيه ينتهي إليها أم لا فإن كانت له غاية فما تلك الغاية وهذه مسألة ما سألني عنها أحد ألا أمرأة لطيفة من أهل هذا الشان ثم نذكر أيضا أن شاء الله هل الحب صفة نفسية في المحب أو معنى زائد على ذاته وجودي أو هو نسبة بين المحب والمحبوب لا وجود لها كل ذلك تحتاج إليه هذه التكملة فاعلم أن الحب لا يقبل الأشتراك ولكن إذا كانت ذات المحب واحدة لا تنقسم فإن كانت مركبة جاز أن يتعلق حبها بوجوه مختلفة ولكن لأمور مختلفة وأن كانت العين المنسوب إليها تلك الأمور المختلفة واحدة أو تكون تلك الأمور في كثيرين فيه فتتعلق المحبة بكثيرين فيحب الأنسان محبوبين كثيرين وإذا صح أن يحب المحب أكثر من واحد جاز أن يحب الكثير كما قال أمير المؤمنين
صفحه ۳۲۵