644

فتوحات مکیه

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ویراست

الأولى

سال انتشار

1418هـ- 1998م

محل انتشار

لبنان

مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
ایوبیان

فما سبب علم القدر الذي طوى عن الرسل فمن دونهم الجواب في السؤال حذف وهو ان يقول ما سبب طي علم القدر الذي طوى عن الرسل فمن دونهم فان كان هذا الرجل يقول بفضل أفضل البشر على أفضل الملائكة فكانه قال الذي طوى عن كل ما سوى الله وان كان يرى ان أفضل الملائكة أفضل من أفضل البشر فقوله فمن دونهم لا يلزم ان من هو أفضل من الرسل طوى عنه علم القدر فقد يمكن عنده ان يكون من هو أعلى يعلم ذلك فبقي الجواب عما يقتضيه الأمر في نفسه هل ثم من يعلم علم القدر أم لا قلنا لا ولكن قد يعلم سره وتحكمه في الخلائق وقد أعلمنا به فعلمناه بحمد الله وان مظاهر الحق في أعيان الممكنات المعبر عنها بالعالم هي آثار القدر وعلامة على وجود الحق ولا دليل أدل على الشئ من نفسه فلم يعلم الحق بغيره بل علم نفسه ونسبة الوجود إلى هذه الأعيان قد قلنا ان ذلك أثر القدر فنعلم القدر بأثره ونعلم الحق بوجوده وذلك لان القدر نسبة مجهولة خاصة والحق وجود فيصح تعلق العلم بالحق ولا يصح تعلق العلم بالقدر فان علمنا بظهور المظهر في العين هو عين علمنا بالحق والقدر مرتبة بين الذات وبين الحق من حيث ظهوره لا يعلم أصلا وحكمه في المظاهر حكم الزمان في عالم الأجسام فلهذا يطلقه أكثر المحققين على الأوقات المعقولة وقد أعلمناك ان الزمان نسبة معقولة غير موجودة ولا معدومة وهو في الكائنات فالوقت أعز مقاما في امتناع العلم به أو تصوره فلا ينال أبدا وقد كان العزيز رسول الله عليه السلام كثير السؤال عن القدر إلى ان قال له الحق تعالى يا عزيز لئن سألت عنه لأمحون أسمك من ديوان النبوة ويقرب منه السؤال عن علل الأشياء في تكويناتها فأفعال الحق لا ينبغي ان تعلل فانه ما ثم علة موجبة لتكوين شئ إلا عين وجود الذات وقبول عين الممكن لظهور الوجود فالأزل لا يقبل السؤال عن العلل وان ذلك لا يصدر إلا من جاهل بالله فالسبب الذي لا يحله طوى علم القدر هو ان له نسبة ذات الحق ونسبة إلى المقادير فعز ان يعلم عز الذات وعز ان يجهل لنسبة المقادير فهو المعلوم المجهول فأعطى التكليف في العالم فأشتغل العالم بما كلفوا ونهوا عن طلب العلم بالقدر ولايعلم ألا بتقريب الحق وشهود شهودا خاصا لعلم هذا المسمى قدرا فأولياء الله وعباده لايطلبون علمه للنهي الوارد عن طلبه فمن عصى الله وطلبه من الله وهو لا يعلم بالنظر الفكري فلم يبق ألا ان يعلم بطريق الكشف الألهي والحق لا يقرب من عصاه بمعصيته وطالب هذا العلم قد عصاه في طلبه فلا ينال من طريق الكشف وما ثم طريق آخر يعلم به علم القدر فلهذا كان مطويا عن الرسل فمن دونهم وان نزع أحد إلى ان السائل أعتبر بسؤاله معنى الرسالة فمن حيث انهم رسل طوى عنهم في هذه المرتبة ومن دونهم من أرسل إليهم وذلك هو التكليف فسد الله باب العلم بالقدر في حال الرسالة فان علموه فما علموه من كونهم رسلا بل من كونهم من الراسخين في العلم فقد ينال على هذا لولا ما بيناه من ان مرتبته بين الذات والمظاهر فمن علم الله علم القدر ومن جهل الله جهل القدر والله سبحانه مجهول فالقدر مجهول فمن المحال ان يعرف المألوه الله لانه لاذوق له في الألوهة فانه مألوه والله ذوق في المألوهية لكونه يطلبها في المألوه كما يطلبه المألوه كما فمن هناك وصف الحق نفسه بما وصف به مظاهره من التعجب والضحك والنسيان وجميع الأوصاف التي لا تليق ألا بالممكنات فسر القدر عين تحكمه في المقادير كما ان الوزن متحكم في الموزون والميزان نسبة رابطة بين الموزون والوزن بها يتعين مقدار الموزون ومقادير الموزونات على أختلافها فالحق وضع الميزان وقال ' وما ننزله ألا بقدر معلوم ' ويستحقه من انزل إليه فكل شيء بقضائه أي بحكمه وقدره أي وزنه وهو تعيين وقت حالا كان وقته زمانا أو صفة أو ما كان فظهر ان سبب طي علم القدر سبب ذاتي والأشياء إذا أقتضت الأمور لذواتها لا للوازمها أو أعراضها لم يصح ان تتبدل ما دامت ذواتها والذوات لها الدوام في نفسها لا لنفسها فوجود العلم بها محال

السؤال الرابع والثلاثون

لأي شيء طوى الجواب هذا سؤال أختبار ان كان السائل عالما فانه من المعلومات ما يعلل ومنها ما لايعلل هذا في المعلومات فكيف ما لا يعلم كيف يصح ان يعلل الجهل به وأما من يرى ان القدر معلوم لمن فوق مرتبة الرسل من الملائكة أو من شاء الله من خلقه الذي لا علم لنا بأجناس خلقه فيكون طيه حتى لايشارك الحق في علم حقائق الأشياء من طريق الأحاطة بها أذ لو علم أي معلوم كان بطريق الأحاطة من جميع وجوهه كما يعلمه الحق لما تميز علم الحق عن علم العبد بذلك الشيء ولا يلزمنا على هذا الأستواء فيما علم منه فان الكلام فيما علم منه على ذلك فان العبد جاهل بكيفية تعلق العلم مطلقا بمعلومه فلا يصح ان يقع الأشتراك مع الحق في العلم بمعلوم ما ومن المعلومات العلم بالعلم وما من وجه من المعلومات ألا وللقدر فيه حكم لا يعلمه ألا الله فلو علم القدر علمت أحكامه ولو علمت أحكامه لأستقل العبد في العلم بكل شيء وما أحتاج إلى الحق في شيء وكان الغني له على الأطلاق فلما كان الأمر بعلم القدر يؤدي إلىهذا طواه الله عن عباده فلا يعلم فكل شخص في العالم على جهل من نفسه وعلم فمن حيث جهله يفتقر ويسأل ويخضع ويتضرع ويعلمه بجهله يقع منه هذا الوصف هذا إذا أتفق ان يكون ممكنا العلم به وقد قررنا انه محال لذاته كما يعلم انه ليس للحق من الصفات النفسية سوى واحدة لأحديته وهي عين ذاته فليس له فصل مقوم يميز به عما وقع له من الأشتراك فيه مع غيره بل له الأحدية الذاتية التي لا تعلل ولا تكون علة فهي الوجود وما هي ومن الأسباب التي لأجلها طوى علم ذلك عن الانسان لكون ذات الانسان تقتضي البوح به لانه أسنى ما يمدح به الانسان ولا سيما الرسل فحاجتهم إليه آكد من جميع الناس لان مقام الرسالة يقتضي ذلك وما ثم علم ولا آية أقرب دلالة على صدقهم من مثل هذا العلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما وصف ربه به مما أوحى إليه به انه لا شيء أحب إلى الله تعالى من ان يمدح ولا مدحة فوق المدحة بمثل هذا ثم ان الله فلو فتح للعبد الانساني العلم بالقدر وقد أمر بالغيرة فيه وطيه عمن لا ينبغي ان يظهر عليه وكان الانسان وهو مجبول على حب المدح والرسالة تعطي الرغبة في هداية الخلق أجمعين ولا طريق للهداية أوضح من هذا الفن فالذي كانوا يلقونه من الكتم من الألم والعذاب في انفسهم لا يقدر قدره فخفف الله عن الرسل مثل هذا الألم فطواه عنهم فان جميع العالم ممن له قوة على إيصال ما في نفسه من الأمور إلى الخلق يكتمون علم مثل هذا وغيره إذا كان عندهم إلا الجن والانس فان النشأة من هذه القوى العنصرية تقتضي لهم ذلك فمن كتم منهم فانما يكتم على كره مما ينبغي ان يمدح به إذا بثه ولو لا ان البها ثم لم تعط لها قوة التوصل لأعلمت بما تشاهده من الأمور الغيبية التي أمر الله من يعلمها بسترها مثل خوار الميت على نعشه وعذاب القبر وحياة الشهداء فكل دابة تسمعه وتصغي يوم الجمعة شفقا من الساعة ولكن لما كوشفت على مثل هذا أعطيت الخرس عن التوصيل فكتمها الأشياء اضطراري لا اختياري فطواه الله عن الثقلين لذلك فانه من الأسرار المكتومة فهذا من الأسباب التي طوى لها علم القدر

صفحه ۶۵