440

فتوحات مکیه

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ویراست

الأولى

سال انتشار

1418هـ- 1998م

محل انتشار

لبنان

مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
ایوبیان

اعلم أن حاجة النفس إلى العلم أعظم من حاجة المزاج إلى القوت الذي يصلحه والعلم علمان علم يحتاج منه مثل ما يحتاج من القوت فينبغي الاقتصاد فيه والاقتصار على قدر الحاجة وهو علم الأحكام الشرعية لا ينظر منها إلا قدر ما تمس الحاجة إليه في الوقت فإن تعلق حكمها إنما هو بالأفعال الواقعة في الدنيا فلا تأخذ منه إلا قدر عملك والعلم الآخر هو ما لا حد له يوقف عنده وهو العلم المتعلق بالله ومواطن القيامة فإن العلم بمواطن القيامة يؤدي العالم بها إلى الاستعداد لكل موطن بما يليق به لأن الحق بنفسه هو المطالب في ذلك اليوم بارتفاع الحجب وهو يوم الفصل فينبغي للإنسان العاقل أن يكون على بصيرة من أمره معدا للجواب عن نفسه وعن غيره في المواطن التي يعلم أنه يطلب منه الجواب فيها ولهذا ألحقناه بالعلم بالله وينبغي لطالب العلم أن لا يسأل في المسؤل إلا الله لا عين المسؤل هكذا ينبغي أن يكون عليه السائل من الحضور مع الله فليستكثر هذا السائل من السؤال فإن الله هو المسؤل فإن لم يحضر له ذلك ولم يشاهد سوى الأستاذ ولا يرى العلم إلا منه ولا يرده ذلك العالم إلى الله بقوله الله أعلم ولا يقول له من العلم ما يرده إلى الله فيه فذلك للذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكره مسلم من حديث أبي هريرة من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقلل أو ليستكثر وإنما أراد الله تعالى من عباده أن يرجعوا إليه في المسائل لا إلى أمثالهم إلا بقدر ما يتعلمون منهم كيف يسألون الله وهو حد التقوى المشروع فقال واتقوا الله بما علمكم من أعلمته قال لموسى عليه السلام ربه عز وجل فيما أوحى إليه به أو كلمه به سلني حتى الملح تلقيه في عجينك وقال في باب الإشارة لا التفسير الرحمن علم القرآن في أي قلب يكون ويستقر وعلى أي قلب ينزل ' خلق الإنسان علمه البيان ' لتبين للناس ما نزل إليهم فأضاف التعليم إليه لا إلى غيره هذا كله من الغيرة الإلهية أن يسأل المخلوق غير خالقه ليريح عباده من سؤال من ليس بأيديهم من الأمر شيء وقد نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا وما خص صلى الله عليه وسلم مسئلة من مسئلة فقال صلى الله عليه وسلم لو تعلمون ما في المسئلة ما مشى أحد إلى أحد يسأله شيأ وقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها وأراد من الناس أن يعملوا بما علمهم الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ويسألون الله في أعمالهم أن يزيدهم علما إلى علمهم منه فيتولى بنفسه تعليم عباده فإن الله غيرو فلا يحب أن يسأل غيره وإن سأل غيره بلسان الظاهر فيكون القلب حاضرا مع الله عند سؤاله إن الله هو المسؤل الذي بيده ملكوت كل شيء بالمعنى فإن الاسم الظاهر من الله هو هذا الشخص فإنه من جملة الحروف المرقومة في رق الوجود المنشور فيأخذ هذا السائل جوابه من الله إما بقضاء الحاجة وإما بالدعاء ولهذا كان سؤال الرجل السلطان أولى من سؤال غير السلطان لأن وجود الحق أظهر فيه من غيره من السوقة والعامة ولهذا رفعت الكدية عن الذين يسألون الملوك فإنهم نواب الله وهم موضع حاجة الخلق وهم المأمورون أن لا ينهروا السائل يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو النائب الأكبر وأما السائل فلا تنهر ولهذا يسأل الله تعالى يوم القيامة النواب وهم الرعاة عن من استرعاهم عليه ويسأل الرعايا ما فعلوا فيهم ثم نرجع إلى مسائل الصدقة التي نحن في بابها فنقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل كدوح يكدح بها الرجل في وجهه فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك إلا أن يسأل ذا سلطان في أمر لا يجد منه بدا وهذا نص ما ذكرناه وهو حديث خرجه أبو داود عن سمرة بن جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك سؤال الصالحين العارفين أهل المراقبة أولى من سؤال السلاطين إلا أن تكون هذه الصفات في السلطان فإن أصحاب هذه الصفات أقرب نسبة إلى الله تعالى وقد رأينا بحمد الله من السلاطين من هو بهذه المثابة من الدين والورع والقيام للحق بالحق رحمهم الله وقد ورد في الخبر أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسأل يا رسول الله قال لا وإن كنت سائلا ولابد فسل الصالحين فالعارفون إذا سألوا في أمر تعين لهم من مصالح دنياهم إنما يسألون الله بالله في العالم والعلماء بالله الذين استفرغهم شهود الله شغلهم ذكر الله عن المسئلة من الله فهؤلاء أصحاب أحوال فأعطاهم العلم به وهو أفضل ما أعطى السائلون فإذا علموه علم ذوق لم يذكروه إلا له بهم وبه فأعطاهم بهذا الذكر أمرا جعلهم أن يتركوا الذكر له وبه فأعطاهم الرؤية إذ كانت الرؤية أرفع من المشاهدة وهي أفضل صدقة تصدق الله بها على المقربين من عباده . هود الله شغلهم ذكر الله عن المسئلة من الله فهؤلاء أصحاب أحوال فأعطاهم العلم به وهو أفضل ما أعطى السائلون فإذا علموه علم ذوق لم يذكروه إلا له بهم وبه فأعطاهم بهذا الذكر أمرا جعلهم أن يتركوا الذكر له وبه فأعطاهم الرؤية إذ كانت الرؤية أرفع من المشاهدة وهي أفضل صدقة تصدق الله بها على المقربين من عباده .

وصل في فصل أخذ العلماء بالله من الله العلم الموهوب

صفحه ۷۰۴