322

فتوحات مکیه

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ویراست

الأولى

سال انتشار

1418هـ- 1998م

محل انتشار

لبنان

مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
ایوبیان

أجمع العلماء على أن الصف الأول مرغب فيه وكذلك التراص وتسوية الصف إلا من شذ في ذلك فقال من قدره على الصف الأول ولم يصل فيه بطلت صلاته وكذلك التراص وتسوية الصفوف إذا لم يوجد بطلت الصلاة ولما ثبت الأمر بذلك حمله بعض الناس على الندب وحمله بعض على الوجوب وهو الذي ذكرناه من أنه تبطل الصلاة بعدم هذه الصفة والذي أقول به أن الصلاة صحيحة نوهم عصاة أما الصف الأول فورد الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسابقة إليه ثم أنه قال فيه ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه يريد الإقتراع وأما التسوية فإنهم دعوا إلى حال واحدة مع الحق وهي الصلاة فساوى في هذه الدعوة بين عباده فلتكن صفتهم فيها إذا أقبلوا إلى ما دعاهم إليه تسوية الصفوف لأن الداعي ما دعا الجماعة إلا ليناجيهم من حيث أنهم جماعة على السواء لا يخص واحد دون آخر فيجب أن يكونوا على السواء والإعتدال في الصف لا يتأخر واحد من الصف ولا يتقدم بشيء منه يؤدي إلى اعوجاجه فإنهم يناجون من هذه الحثيثة وينبغي أن تكون الصور الباطنة والهمم من المصلين متساوية في نسبة التوجه إلى الله تعالى والإخلاص له في تلك العبادة التي دعاهم إليها من حيث ما هم مصلون وإن الله لما اصطفى منهم واحد اسماه إماما ليناجيه عن الجماعة بما يجب أن يهبه للجماعة وجعله كالترجمان بين يديه وبين أيديهم مقبلا على ربهم فيجب على الجماعة السكوت والإنصات والإنتظار لما يرد عليهم من سيدهم بوساطة ذلك الإمام ولهذا جاء في حديث جابر أن قراءة الإمام كافية عن الجماعة فإنه الذي قدمه الحق للمناجاة فلما كان الإمام هو المقصود في النيابة عن الجماعة وأمر الشرع أن يأتموا به نفي كل ما يفعله مما شرع له فعله وجب عليهم الإنصات والإقتداء بكل ما يفعله الإمام في صلاته وأما التراص في الصف فهو أن لا يكون بين الإنسان وبين الذي يليه خلل من أول الصف إلى آخره وسبب ذلك أن الشياطين تسد الخلل بأنفسها توهم في محل القربة من الله تعالى فينبغي أن يكونوا في القرب بعضهم من بعض بحيث أن لا يبقى بينهم خلل يؤدي إلى بعد كل واحد من صاحبه فتكون المعاملة فيما بينهم من أجل الخلل نقيض ما دعوا إليه من صفة القربة فيتخلل تلك الخلل والفرج البعداء من الله لمناسبة البعد الذي بين الرجلين في الصف في الصلاة فينقضهم من رحمة القر الذي للمصلي في الصف بقدر الخلل وبمرتبة ذلك الشيطان من البعد الذي الرجلين في الصف في الصلاة فينقضهم من رحمة القرب الذي للمصلي في الصف بقدر الخلل وبمرتبة ذلك الشيطان من البعد عن الله فإذا لزقت المناكب بعضها ببعض انسد الخلل ولم تجد صفة البعد عن الله محلا تقوم به لأن الشيطان الذي هو محل البعد عن الله ليس هناك وإنما تفرح الشياطين بخلل الصف وتدخل فيه لما ترى من شمول الرحمة التي يعطي الله للمصلين فتزاحم في تلك الفرج لينالهم من تلك الرحمة بشيء بحكم المجاورة من عين المنة لمعرفتهم بأنهم البعداء عن الله وما هم هؤلاء الشياطين الذين يوسوسون في الصلاة فإن أولئك محلهم القلوب فهم على أبواب القلوب مع الملائكة تلقى إلى النفس وتنكت في القلب ما يشغله عما دعى إليه ومن جملة ما تلقى إليه أن لا يسد الخلل الذي الذي بينه وبين صاحبه لوجهين الوجه الواحد ليتصف بالمخالفة فيؤديه إلى البعد عن الله فإن الشيطان إنما كان بعده عن الله لمخالفته لأمر الله والوجه الثاني في حق أصحابهم من الشياطين ليتخللوا ذلك الخلل فتصيبهم رحمة المصلين فيناجي الإمام ربه ويناجيه ولهذا شرع كناية الجمع في مناجاة الصلاة وأن لا يخص الإمام نفسه في الدعاء دونهم فإنه لسان الجماعة فالمكاشف يشهد هذا كله ويأخذ عن الله مما يعطيه بوساطة هذا الإمام يأتي به الله وسواء كان ذلك الإمام قد وفي حق ما دعى إليه من الحضور مع الله أم لا فيتلقاه كل من هذه صفته من الله فيسعد الإمام بمثل هذا المأموم وأما غير المكاشف وغير الحاضر في الصلاة بقلبه إذا اجتمع هو والإمام في عدم الحضور كان الإمام بمثل هذا المأموم وأما غير المكاشف وغير الحاضر في الصلاة بقلبه إذا اجتمع هو والإمام في عدم الحضور كان الإمام من الأئمة المضلين فإن حضر الجماعة مع الله ما عدا افمام كان الإمام ضالا وحده وإن سعد فبمن خلفه وإن حضر الإمام وحده ولم تحضر قلوب الجماعة في تلك الصلاة شفع الإمام في الجماعة كلها فإنه العين المقصودة من الجماعة فقد حصل المقصود ولهذا ينبغي أن يختار للإمامة أهل الدين والخير والمشتغلين بالله وإن كانوا قليلين من العلم فهم أولى بالإمامة من العلماء الغافلين لأن المراد من المصلي الحضور مع الله فلا يحتاج من العلم المصلي من حيث ما هو مصل إلا أن يعرف أنه بين يدي ربه يناجيه بما يسر الله له من تلاوة كتابه لا غير ذلك فلا يبالي بما نقصه من العلم في حال صلاته حتى أن المصلي لو أحضر في مناجاته مبايعة ومسائل طلاق ونكاح لم يكن بينه وبين الغافل عن صلاته فرق وإنما يكون مع الله من حيث ما هو بين يديه في عبادة خاصة دعاه إليها يحرم عليه فيها في باطنه ما حرم عليه في ظاهره فكمالا ينبغي أن يلتفت بوجهه التفاتا يخرجه عن القبلة كذلك لا ينظر بقلبه إلى غير من يناجيه وهو الله وكما لا يشتغل بلسانه بسوى كلام ربه أو ذكره الذي شرع له لا يصح فيها شيء من كلام الناس كذلك يحرم عليه في باطنه كلامه النفسي مع من يشاريه أو يبايعه أو يتحدث معه في باطنه في نفس صلاته من أهل وولد أخوان وسلطان سواء فلهذا لا يشترط في الإمام كثرة العلم وإنما الغرض ما يليق بهذه الحالة فإن اتفق أن يكون من هذه حالته من الدين والمراقبة والحياء من الله كثير العلم راسخا سيدا كان الأولى بالتقدم فإنه الأفضل ممن ليس له ذلك فالصفوف إنما شرعت في الصلاة ليتذكر الإنسان بها وقوفه بين يدي الله يوم القيامة في ذلك الموطن المهول والشفعاء من الأنبياء والمؤمنين والملائكة بمنزلة الأئمة في الصلاة يتقدمون الصفوف فكم شخص يكون هنا مأموما من أهل الصفوف يكون غدا إماما أمام الصفوف ويكون إمامه الذي كان في الدنيا يصلي به مأموما غدا فيالها من حسرة وصفوفهم في الصلاة كصفوف الملائكة عند الله كما قال تعالى والملك صفا صفا وقال والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وهو الإمام النائب عن الجماعة وأمرنا الحق أن نصف في الصلاة كما تصف الملائكة يتراصون في الصف وإن كانت الملائكة لا يلزم من خلل صفها لو اتفق أن يدخلها خلل أعني ملائكة السماء دخول الشياطين لأن السماء ليست بمحل للشياطين ولا بمكان وإنما يتراصون لتناسب الأنوار حتى يتصل بعضها ببعض فتنزل متصلة إلى صفوف المصلين فتعمهم تلك الأنوار فإن كان في صف للمصلين خلل دخلت فيه الشياطين أحرقتهم تلك الأنوار وكذلك يكونون في الكثيب في الزور العام يصفون كما يصفون في الصلاة فمن دخله خلل في صفه هنا وكان قادرا على سده بنفسه فلم يفعل حرم هنالك في ذلك الموطن بركته وإن لم يقد على سده عمته البركة هناك وكل مصل بين رجلين فإنه ينضم إلى أحدهما يجذب الآخر إليه فإن كان في الصف الأول نقص وهو يراه وهو قادر على الوصول إليه ولا يمشي إلى الصف الأول حتى يتمه أعني يسد الخلل الذي فيه لم ينفعه تراصه في الصف الذي هو فيه جملة واحدة فإنه ما تعين عليه إلا الأول فاعلم

فصل بل وصل في المصلي خلف الصف وحده

اختلف الناس فيه فمن قائل بصحة صلاته ومن قائل بأنه لا تصح والذي أذهب إليه في حكم من هذه حالته فإنه لا يخلو إما أن يجد سبيلا إلى الدخول في الصف أو لا يجد فإن لم يجد فليشر إلى رجل من أهل الصف أن يختلج إليه فإن لم يختلج إليه لجهله بماله في ذلك عند الله من الأجر فإن صلاة هذا الرجل صحيحة فإنه قد اتقى الله ما استطاع ولا يستطيع في هذه الحالة أكثر من هذا فإن قدر على شيء مما ذكرناه ولم يفعل فصلاته فاسدة فإن النبي عليه السلام أمر من كان صلى خلف الصف وحده أن يعيد وهو حديث وابصة بن معبد اعتبار ذلك في النفس القربات إلى الله لا تعلم إلا من عند الله ليس للعقل فيها حكم بوجه من الوجوه فإذا شرع الشارع القربات فهي على حد ما شرع وما منع ذلك أن يكون قربة فليس للعقل أن يجعلها قربة ثم نرجع إلى مسئلتنا فلا يخلو هذا المصلي وحده خلف الصف مع القدرة على ما قلناه أما أن يكون من أهل الإجتهاد ويكون حكمه بإجازة ذلك الفعل وصحة صلاته عن إجتهاد أو لا يكون عن اجتهاد فإن كان عن اجتهاد فالصلاة صحيحة وإن لم يكن عن اجتهاد وكان مقلد المجتهد في ذلك بعد سؤاله إياه فصلاته صحيحة وإن فعل ذلك لا عن اجتهاد ولا عن سؤال فصلاته فاسدة وهكذا في جميع القربات المشروعة كما صحت صلاة الإمام بين يدي الجماعة في غير صف صحت صلاة من هو خلف الصف وحده فإن لطيفة الإنسان واحدة العين ولا تصف صفوف الجوارح عند الصلاة ولا ينبغي أن يكون إمامها فإنها لا تقبل الجهة فما صلت إلا وحدها وظاهر الإنسان جماعة فهو في نفسه صف وحده فإن كل جزء منه مكلف بالعبادة والصلاة ولا ينفصل بعضه عن بعضه فهو صف وحده فإن اشتغل بعض جوارحه فيما ليس من الصلاة كان له ذلك الإشتغال في صف ذاته كالخلل الداخل في الصف فبطريق الاعتبار ما صلى الإنسان من حيث جملته إلا في صف ومن حيث لطفيته وحده فإنها لا تقبل الصفوف لعدم التحيز وهذا على مذهب من يقول أنها غير متحيزة وأما من قال بتحيزها التحقت بجملة ذات المصلى فما صلى من هو في صف ومن هو في غير صف إلا في صف من ذاته وبهذا أجاز من أجاز الصلاة خلف الصف وحده وقد بينا مذهبنا في ذلك بطريقة تعضدها أصول الشرع

فصل بل وصل في الرجل أو المكلف يريد الصلاة فيسمع الإقامة هل يسرع في

المشي إلى المسجد مخافة أن يفوته جزء من الصلاة أم لا

صفحه ۵۵۵