فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
فيعبدني من كان بالحق عارفا . . . فأجزيه بالإحسان قبل وفاته يدعى صاحبها عبد الغني وعبد الغني قال الله عز وجل والله غني عن العالمين وقال تعالى وأنه هو أغنى وأقنع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الحضرة ليس الغنى عن كثرة العرض لكن الغنى غنى النفس ترى التاجر عنده من المال ما يفي بعمره وعمر إلزامه لو عاش إلى انقضاء الدنيا وما عنده في نفسه من الغنى شيء بل هو من الفقر إلى غاية الحاجة بحيث أن يرد بماله موارد الهلاك في طلب سد الخلة التي في نفسه عسى يستغني بما يستغنى بل لا يزال في طلب الغنى الذي هو غنى النفس ولا يشعر فاعلم ان اول درجة الغنى القناعة والاكتفاء بالموجود فلا غنى إلا غنى النفس ولا غني إلا من أعطاه الله غنى النفس فليس الغنى ما تراه من كثرة المال مع وجود طلب الزيادة من رب المال فالفقر حاكم عليه فالإنسان فقير بالذات لأنه ممكن وهو غني بالعرض لأنه غني بالصورة وذلك أمر عرض له بالنسبة إليه وأن كان مقصودا للحق فللإنسان وجهان إذا كان كاملا وجه افتقار إلى الله ووجه غنى إلى العالم فيستقبل العالم بالغنى عنه ويستقبل ربه بالافتقار إليه ولهذين الوجهين قيل أنه لا يكون عند الله وجيها لأنه لا يكون عند الله أبدا إلا فقيرا ذليلا ويكون عند العالم وجيها أي غنيا عزيزا وأما الإنسان الحيوان الذي لا معرفة له ربه فهو فقير إلى العالم أبدا وإن كانت الغيرة الإلهية قد أزالت الافتقار إلى العالم من العالم بقولها يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد فمن ذاق طعم الغنى عن العالم وهو يراه عالما لابد من هذا الشرط فقد حصل على نصيب وافر من الغنى الإلهي إلا أنه محجوب عن المقام الأرفع في حقه لأن العالم مشهود له ولهذا اتصف بالغنى عنه فلو كان الحق مشهوده وهو ناظر إلى العالم لأتصف بالفقر إلى الله وحاز المقام الأعلى في حقه وهو ملازمة الفقر إلى الله لأن في ذلك ملازمة ربه عز وجل وأما الاستغناء فإنه يؤذن بالقرب المفرط وهو حجاب كالبعد المفرط ومن وقف على سر وجود العالم من حيث إيجاد الله إياه عرف ما أشرنا إليه فإذا كان العارف على قدر معلوم بين القرب والبعد حصل المطلوب وكان في ذلك الشرف التام للإنسان إذ كان الشرف لا يحصل إلا لأهل البرازخ الجامعين الطرفين قد علمنا إيمانا أن الله أقرب إلينا من حبل الوريد ولكن لا نثيره لهذا القرب المفرط وقد علمنا إيمانا أنه على العرش استوى فلهذا لا نبصره لهذا البعد المفرط عادة أيضا فمن شاهد الحق ورآه فإنما يشاهده في معينه من قوله وهو معكم أينما كنتم هذا حد رؤيته هنا ولا يشاهد متى شوهد إلا من هذا المقام وبهذه الصفة لابد من ذلك فإذا أغناك فقد أبعدك في غاية القرب وإذا أفقرك فقد قربك في غاية البعد
فيا من قربه بعد . . . ويا من بعده قرب
أقلني من هوى نفسي . . . فإن الواله الصب
وإني هائم فيه . . . قد استعبدني الحب
ولا مطلب لي إلا ال . . . ذي يرضى به الحب
إذا أحببت محبوبا . . . له النخوة والعجب
فلا تعجب فلا تحجب . . . فقلبي للهوى قلب ومن هذه الحضرة ظهر الغنى في العالم الذي يحوي على الفقر والخوف مع ما فيه من الزهو والفخر أما ما فيه من الفقر فلطلب الزيادة وأما ما فيه من الخوف فهو الفزع من تلف ما بيده والحوطة عليه وأما ما فيه من الزهو والفخر فهو ما يشاهده من الطالبين رفده وسعي الناس في تحصيل مثل ما عنده فمن هو بين غنى وفقر كيف يفتخر فالفقر لا يتركه يفرح والغنى لا يتركه يحزن فقد تعرى بهذين الحكمين من هاتين الصفتين فأغنى الأغنياء من استغنى بالله عن الأغنياء بالله ولو لم يكن عنده قوت يومه مع أنه يحزن من جهة من كلفه الله النظر في تحصيل ما يقوم بهم ويقوتهم من أهله وما يهتم بذلك إلا متشرع أديب عانق الأدب وعرف قدر ما شرع له من ذلك فإن طريق الأدباء طريقة خفية لا يشعر بها إلا الراسخون في العلم المحققون بحقائق الفهم عن الله فكما أن الله ليس بغافل عن ما يحتاج إليه عباده كذلك أهل الله لا يغفلون عما قال لهم الحق أحضروا معه ولا تغفلوا عنه فترى الكامل حريص على طلب مؤنة أهله فيتخيل المحجوب أن ذلك الحرص منه لضعف يقينه وكذلك في ادخاره وليس ذلك منه إلا ليوفى الأدب حقه مع الله في ما حد له من الوقوف عنده فالعالم من لا يطفئ نور علمه نور ورعه ولا يحول بينه وبين أدبه فمن تعدى حدود الله فقد ظلم نفسه ومن ظلم نفسه كان لغيره أظلم ألا ترى إلى ما في هذه الحضرة من العجب إن المشاهد من الحق الذي هو صفته في غنى للعالم فلا يشهد إلا حقا ولا يكون القبول والإقبال إلا على صفة حق كيف يعتب على ذلك من هو بهذه المثابة فقيل له أما من استغنى فأنت له تصدى وقد علم تعالى لما تصدى ولمن تصدى فإن الله بكل شيء عليم
صفحه ۳۰۹