1579

فتوحات مکیه

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ویراست

الأولى

سال انتشار

1418هـ- 1998م

محل انتشار

لبنان

مناطق
سوریه
•
امپراتوری‌ها و عصرها
ایوبیان

لما كان الدوام المعية الحق مع العالم لم يزل حب الجمع في الوجود وفي العدم فإنه مع الممكن في حال عدمه كما هو معه في حال وجوده فأينما كنا فالله معنا فالتوحيد معقول غير موجود والجمع موجود ومعقول وللرجال عليهن درجة وليست إلا درجة الوجود لو أراد التوحيد ما أوجد العالم وهو يعلم أنه إذا أوجده أشرك به ثم أمره بتوحيده فما عاد عليه إلا فعله فقد كان ولا شيء معه يتصف بالوجود فهو أول من سن الشرك لأنه أشرك معه العالم في الوجود فما فتح العالم عينيه ولا أبصر نفسه إلا شريك في الوجود فليس له في التوحيد ذوق فمن أين يعرفه فلما قيل له وحد خالقك لم يفهم هذا الخطاب فكرر عليه وأكد وقيل له عن الواحد صدرت فقال ما أردي ما تقول لا أعقل إلا الاشتراك فإن صدروي عن ذات واحدة لا نسبة بيني وبينها لا يصح فلابد أن يكون مع نسبة علمية أو نسبة قادرية لا بد من ذلك ثم أنه وأن كان قادرا فلا بد من الاشتراك الثاني وهو أن يكون لي من ذاتي القبول لاقتداره وتأثيره في وجودي فما صدرت عن واحد وإنما صدرت عن ذات قادرة في شيء قابل لأثره اقتداره أو في مذهب أصحاب العلل عن حكم علة وقبول معلول فلم أدر للوحدة طعما في الوجود

فقد رمت أن أخلو بتوحيد خالقي . . . فكان قبولي مانعا ما أرومه

فيا ليت شعري هل يقام بمشهد . . . وياليت شعري هل أرى من يقيمه لقد رمت أمرا لا سبيل لنيله . . . ويمنع عن تحصيل ذاك رسومه

ألا تراه كيف نبه على أن الأمر جمع وأنه جامع لقوله ومن كل شيء خلقنا زوجين وعلم أن نفسه شيء فخلق آدم على صورته فكان آدم زوجين ثم خلق منه حواء لا من غيره ليعلمه بأصل خلقه ومن زوجه ومن زوجه فما زاد بخلقه جواء منه على زوجيته بالصورة التي خلق عليها وتلك الصورة الزوجية أظهرت حواء فكانت أول مولد عن هذه الزوجية كما خلق آدم بيده فكان عن زوجية يد الاقتدار ويد القبول وبهما ظهر آدم

وكان فردا فصار زوجا . . . ماجى به في المخاض موجا

كان حضيضا في قاع ضبعا . . . فصار بالنفخ فيه أوجا

اقامني سيدا فجاءت . . . وفوده لي فوجا ففوجا

فيا أيها الموحد أين تذهب وأنت توحد توحيدك يشهد بأنك أشركت إذ لا يثبت توحيد إلا من واحد وموحد فالجمع لا بد منه فالاشتراك لا بد منه فما استند المشرك إلا لركن قوي ولهذا كان مآله إلى الرحمة في دار تقتضي بذاتها الغضب حتى يظهر سلطان الرحمة الأقوى لأن .

دار النعيم معين قال الشاعر . . . أحلى من الأمن

عند الخائف الوجل . . . فلا يعرف طعم الأمان

ذوقا منه هو فيه مصاحب له وإنما يعرف قدره من ورد عليه وهو في حال خوف فيجد طعمه لورده ولهذا نعيم الجنة يتجدد مع الأنفاس كما هو نعيم الدنيا إلا أنه في الآخرة يحس به من يتجدد عليه ويشاهد خلق الأمثال فيه وفي الدنيا لا يشاهد خلق الأمثال فيه ولا يحس به بل هو في لبس الحق من خلق جديد فلذة أصحاب الجحيم عظيمة لمشاهدة الدار وحكم الأمان من حكمها فيه ليس العجب من ورد في بستان وإنما من ورد في قعر النيران إبراهيم الخليل عليه السلام في وسط النار يتنعم ويتلذذ ولو لم يكن عليه السلام إلا في حمايتها إياه من الوصول إليه فالأعداء في أعينهم نارا تتأجج وهو يجدها بأمر الله إياها بردا وسلاما عليه فأعداؤه ينظرون إليه ولا يقدرون على الهجوم عليه انظر إلى الجنة محفوفة بالمكاره وهل جعل الله ذلك إلا ليتضاعف النعيم على أهلها فإن نعيم النجاة والفوز من أعظم النعم

فما خلق الإنسان إلا لينعما . . . وما أشهد الإنسان إلا ليعلما

بان وجود الحق في الخلق مودع . . . وهل كان الوجود إلا تكرما

فينعم بالتعذيت فيها جماعة . . . ولو لا شهود الضد ما كان مسلما

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

الغنى حضرة الغنى الإغناء

ألا إنما المغنى الغنى لذاته . . . وما كان فيه من جميل صفاته

فلو أن عين العبد كان بكونه . . . لجلت معاليه لكثر هباته

ولكن عين الحق أفنت وجودها . . . فلله ما يبده من كلماته

أقول وقولي صادق غير كاذب . . . لقد رمت أن أحظى بسر مناته

صفحه ۳۰۸