فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
لحدود قامت بصورة كوني . . . يتعالى عنها بأصل أساسه دخلت على شيخنا أبي محمد عبد الله الشكاز باغرناطة من بلاد الأندلس وكان من أهل باغة وهو من أكبر من لقيته في طريق الله فقال لي يا أخي الرحال أربعة وما أرسلنا قبلك إلا رجالا رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ورجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا يريد على أرجلهم لا يركبون وعلى الأعراف رجال فأراد بالرجال الأربعة حصر المراتب لأنه ما ثم إلا رسول وولي ومؤمن وما عدا هؤلاء الأربعة فلا اعتبار لهم من حيث أعيانهم لأن الشيء لا يعتبر إلا من حيث منزلته لا من حيث عينه الإنسانية فالإنسانية واحدة العين في كل إنسان وإنما يتفاضل الناس بالمنازل لا بالعين حتى في الصورة من جميل وأجمل وغير جميل ولهذا ما جاء رضي الله عنه في ذكر الرجال بأكثر من أربعة فما أراد بالأربعة إلا ما ذكرناه وما أراد بالرجال في هذه الآيات الذكر إن خاصة وإنما أراد هذا الصنف الإنساني ذكرا أو أنثى ولما قلت له في قوله يأتوك رجالا المراد به من أتى ماشيا على رجله قال رضي الله عنه الرجل لا يكون محمولا والراكب محمول فعلمت ما أراد فإنه قد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسرى به إلا محمولا على البراق فسلمت إليه ما قال وما أعلمته رضي الله عنه أن البقاء على الأصل هو المطلوب لله من الخلق ولهذا ذكره تعالى بقوله وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا يعني موجودا يقول له ينبغي لك أن تكون وأنت في وجودك من الحال معي كما كنت وأنت في حال عدمك من قبولك لأوامري وعدم اعتراضك بأمره بالوقوف عند حدوده ومراسمه فيتكلم حيث رسم له أن يتكلم ويتكلم بما أمره به أن يتكلم فيكون سبحانه هو المتكلم بذلك على لسان عبده وكذلك في جميع حركاته وسكناته وأحواله الظاهرة والباطنة لا يقول في وجوده أنه موجود بل يرى نفسه على صورته في حال عدمه هذا مراد الحق منه بالخطاب فهو محمول ولهذا ما أسرى برسول قط إلا على براق إذا كان إسراء جسميا محسوسا وإذا كان بالإسراء الخيالي الذي يعبر عنه بالرؤيا فقد يرى نفسه محمولا على مركب وقد لا يرى نفسه محمولا على مركب لكن يعلم أنه محمول في الصورة التي يرى نفسه فيها إذ قد علمنا أن جسمه في فراشه وفي بيته نائم فاعلم ذلك وأما ما ذهب إليه الشيخ من الاستقلال وعدم الركوب فذلك هو الذي يحذر منه فإنه الاختلاس الذي ذكرنا فإن العبد هنا اختلسته نفسه بالاستقلال وهو في نفسه غير مستقل فأخذه ذلك الاختلاس من يد الحق فتخيل أنه غير محمول فلم يعرف نفسه ومن لم يعرف نفسه جهل ربه فكان الغير هنا الذي نظر إليه عين نفسه وذلك لضعفه في العلم بالأصل الذي هو عليه ولا شك أن مرتبة الرسل عليهم السلام قد جمعت مراتب من نبوة وولاية وإيمان وهم المحمولون فمن ورثهم وكان محمولا يعلم ذلك من نفسه وإنما قلنا يعلم ذلك من نفسه لأن الأمر في نفسه أنه محمول ولا بد ولكن من لا علم له بذلك يتخيل أنه غير محمول فلهذا قيدنا وفي قوله يأتوك رجالا فالذي دعاهم قال لهم قولوا وإياك نستعين وقال لهم استعينوا بالله واصبروا وكل معنى محمول بلا شك فإنه غير مستقل بالأمر إذ لو استقل به لما طلب العون والمعين وقوله رضي الله عنه رجال تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله فهم في تجارتهم في ذكر الله إن التجارة على الحد المرسوم الإلهي من ذكر الله كما قالت عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يذكر الله على أحيائه مع كونه يمازح العجوز والصغير وكل ذلك عند العالم ذكر الله لأنه ما من شيء إلا وهو يذكر بالله فمن رأى شيئا لا يذكر عند رؤيته فما رآه فإن الله ما وضعه في الوجود إلا مذكرا فلم تلههم التجارة ولا البيع عن ذكر الله وكذلك رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه في أخذ الميثاق الذي أخذ الله عليهم فوفوا فيهم صدقوا لأنهم غالبوا فيه وفي الوفاء به الدعاوى المركوزة في النفوس التي أخرجت بعض من أخذ عليه الميثاق أو أكثره عن الوفاء بما عاهد عليه الله فليس الرجل إلا من صدق مع الله في الوفاء بما أخذ عليه كما صدق النبي فيما أخذ الله عليه في ميثاق النبيين والمرسلين وقوله وعلى الأعراف رجال وهم أعظم الرجال في المنزلة فإن لهم الاستشراف على المنازل فما أشار بالأعراف هنا هذا الشيخ إلى من تساوت حسناته وسيئاته وإنما أخذه من حيث منزلة الاستشراف فإن الأعراف هنا هو السور الذي بين الجنة والنار باطنه قبة الرحمة وهو الذي يلي الجنة وظاهر من قبله العذاب وهو الذي بلي النار فجعل النار من قبله أي يقابله والمقابل ضد فلم يجعل السور محلا للعذاب وجعله محلا للرحمة بقوله باطنه فيه الرحمة فانظر ما أعجب تنبيه الله عباده بحقائق الأمور على ما هي عليه ولكن أكثر الناس لا يعلمون فأهل الأعراف في محل رحمة الله وذلك هو الذي أطمعهم في الجنة وإن كانوا بعد ما دخلوها ذكر أن لهم المعرفة بمقام الخلق فقال يعرفون كلا بسيماهم أي بما جعلنا فيهم من العلامة وقوله ونادوا أصحاب الجنة لم يدخلوها فإنهم في مقام الكشف للأشياء فلو دخلوا الجنة استتر عنهم بدخولهم فيها وسترتهم لأنها جنة عن كشف ما هم له كاشفون وقولهم سلام عليكم تحية إقبال عليهم لمعرفتهم بهم وتحية لانصرافهم عنهم إلى جناتهم يقول الله استعينوا واصبروا ويقول أنا أغنى الشركاء عن الشرك ومعلوم أن الاستعانة شرك في العمل فإن كان العمل له فأين العبد وإن كان للعبد فقد أشرك نفسه فاختلسه هذا القدر من توحيد الأفعال فمن علم أن العبد محل لظهور العمل فلا بد منه ولا بد من القبول إن قيل أنه تعالى أوجد العبد والعمل فلو لم يكن العبد قابلا لإيجاد القادر إياه لما وجد دليلنا المحال فلا بد من قبول الممكن فلا بد من الاشتراك في الإيجاد إن كان في إيجاد العبد فلا بد منه وإن كان في إيجاد العمل التكليفي فلا بد من العبد فعلى كل حال لا بد منك ومنه إلا أنك منعوت بالضعف فقال تعالى الله الذي خلقكم من ضعف لكون الممكن لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الترجيح على كل حال ثم جعل من بعد ضعف قوة للتكليف إلا أنه لا يستقل فأمر بطلب المعونة فلولا أن للمكلف نسبة وأثر في العمل ما صح التكليف ولا صح طلب المعونة من ذي القوة المتين فإن شئت سميت أنت ذلك القدر من الاشتراك كسبا وإن شئت سميته خلقا بعد أن عرفت المعنى وأما أهل الله أرباب الكشف فكما قلنا إن ذلك كله أحكام أعيان الممكنات في العين الوجودية الظاهرة في الصور عن آثار الأسماء الإلهية الحسنى من حيث أن الممكن متصف بها فهي للحق أسماء وهي للممكن نعوت وصفات في حال عدم الممكن لأن وجود عينه من حيث الحقيقة قد بينا أنه لا يتصور فما استفاد الممكن إلا ظهور أحكامه بوجود الصور التي تتبعها أسماء الممكنات فكما أن أسماء الله الحسنى للممكن على طريق النعتية كذلك الكونية التي تنطلق على الصور الكائنة في عين الوجود هي أسماء للعين الوجودية قال تعالى قل سموهم في معرض الدلالة فإذا سموهم قالوا هذا حجر هذا شجر هذا كوكب والكل اسم عبد ثم أبان الحق تعالى ذلك كله ليعقل عنه فقال تعالى إن هي الأسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان فقلتم عن العين من أجل الصورة إنها حجر أو شجر أو كوكب أو أي اسم كان من المعبودبن الذين ما لهم اسم الله فما قال أحد من خلق أنا الله إلا الله المرقوم في القراطيس إذا نطق بقول أنا الله فتعلم عند ذلك ما معنى قوله أنا الله وأنه حق أعني هذا القول في ذلك اللسان المصطلح عليه ويقوله أيضا العبد الكامل الذي ألحق لسانه وسمعه وبصره وقواه وجوارحه كأبي يزيد وأمثاله وما عدا هذين فلا يقول أنا الله وإنما يقول الاسم الخاص الذي له في ذلك اللسان له فاعلم ذلك والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . هو السور الذي بين الجنة والنار باطنه قبة الرحمة وهو الذي يلي الجنة وظاهر من قبله العذاب وهو الذي بلي النار فجعل النار من قبله أي يقابله والمقابل ضد فلم يجعل السور محلا للعذاب وجعله محلا للرحمة بقوله باطنه فيه الرحمة فانظر ما أعجب تنبيه الله عباده بحقائق الأمور على ما هي عليه ولكن أكثر الناس لا يعلمون فأهل الأعراف في محل رحمة الله وذلك هو الذي أطمعهم في الجنة وإن كانوا بعد ما دخلوها ذكر أن لهم المعرفة بمقام الخلق فقال يعرفون كلا بسيماهم أي بما جعلنا فيهم من العلامة وقوله ونادوا أصحاب الجنة لم يدخلوها فإنهم في مقام الكشف للأشياء فلو دخلوا الجنة استتر عنهم بدخولهم فيها وسترتهم لأنها جنة عن كشف ما هم له كاشفون وقولهم سلام عليكم تحية إقبال عليهم لمعرفتهم بهم وتحية لانصرافهم عنهم إلى جناتهم يقول الله استعينوا واصبروا ويقول أنا أغنى الشركاء عن الشرك ومعلوم أن الاستعانة شرك في العمل فإن كان العمل له فأين العبد وإن كان للعبد فقد أشرك نفسه فاختلسه هذا القدر من توحيد الأفعال فمن علم أن العبد محل لظهور العمل فلا بد منه ولا بد من القبول إن قيل أنه تعالى أوجد العبد والعمل فلو لم يكن العبد قابلا لإيجاد القادر إياه لما وجد دليلنا المحال فلا بد من قبول الممكن فلا بد من الاشتراك في الإيجاد إن كان في إيجاد العبد فلا بد منه وإن كان في إيجاد العمل التكليفي فلا بد من العبد فعلى كل حال لا بد منك ومنه إلا أنك منعوت بالضعف فقال تعالى الله الذي خلقكم من ضعف لكون الممكن لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الترجيح على كل حال ثم جعل من بعد ضعف قوة للتكليف إلا أنه لا يستقل فأمر بطلب المعونة فلولا أن للمكلف نسبة وأثر في العمل ما صح التكليف ولا صح طلب المعونة من ذي القوة المتين فإن شئت سميت أنت ذلك القدر من الاشتراك كسبا وإن شئت سميته خلقا بعد أن عرفت المعنى وأما أهل الله أرباب الكشف فكما قلنا إن ذلك كله أحكام أعيان الممكنات في العين الوجودية الظاهرة في الصور عن آثار الأسماء الإلهية الحسنى من حيث أن الممكن متصف بها فهي للحق أسماء وهي للممكن نعوت وصفات في حال عدم الممكن لأن وجود عينه من حيث الحقيقة قد بينا أنه لا يتصور فما استفاد الممكن إلا ظهور أحكامه بوجود الصور التي تتبعها أسماء الممكنات فكما أن أسماء الله الحسنى للممكن على طريق النعتية كذلك الكونية التي تنطلق على الصور الكائنة في عين الوجود هي أسماء للعين الوجودية قال تعالى قل سموهم في معرض الدلالة فإذا سموهم قالوا هذا حجر هذا شجر هذا كوكب والكل اسم عبد ثم أبان الحق تعالى ذلك كله ليعقل عنه فقال تعالى إن هي الأسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان فقلتم عن العين من أجل الصورة إنها حجر أو شجر أو كوكب أو أي اسم كان من المعبودبن الذين ما لهم اسم الله فما قال أحد من خلق أنا الله إلا الله المرقوم في القراطيس إذا نطق بقول أنا الله فتعلم عند ذلك ما معنى قوله أنا الله وأنه حق أعني هذا القول في ذلك اللسان المصطلح عليه ويقوله أيضا العبد الكامل الذي ألحق لسانه وسمعه وبصره وقواه وجوارحه كأبي يزيد وأمثاله وما عدا هذين فلا يقول أنا الله وإنما يقول الاسم الخاص الذي له في ذلك اللسان له فاعلم ذلك والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب الثامن وأربعمائة في معرفة منازلة يوم السبت حل عنك مئزر الجد
الذي شددته فقد فرغ العالم مني وفرغت منه
فرغنا من الأجناس فالخلق خلقنا . . . وقد بقيت أشخاصها تتكون
مدى الجود والأنفاس فالأمر دائم . . . إلى غير غايات له تتعين
هو الغاية القصوى فليست نهاية . . . سواه فهذا حقه المتيقن
صفحه ۱۴