فتوحات مکیه
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
1418هـ- 1998م
محل انتشار
لبنان
قد استوى بشر على العراق . . . من غير سيف ودم مهراق فشبهوا استواء الحق على العرش باستواء بشر على العراق واستواء بشر محدث فشبهوه بالمحدث والقديم لا يشبه المحدث فإن الله يقول ليس كمثله شيء والنظر الصحيح يعطي خلاف ما قالوه فقال تعالى في حق كل ناظر سبحان ربك لمحمد صلى الله عليه وسلم ضمير هذا الكاف أي ربك أرسلك إليهم لتعرفهم بما أرسلك به إليهم وأنزله بوساطتك عليهم رب العزة أي هو الممتنع لنفسه أن يقبل ما وصفوه به في نظرهم وحكموا عليه بعقولهم وأن الحق لا يحكم عليه خلق والعقل والعاقل خلق وإنما يعرف الحق من الحق بما أنزله إلينا أو أطلعنا عليه كشفا وشهودا بوحي إلهي أو برسالة رسول ثبت صدقه وعصمته فيما يبلغه عن الله إلينا عما يصفون من حيث نظروا بفكرهم واستدلوا بعقولهم إذ العلم بالله لا يقبل التحول إلى الجهل ولا الدخول عليه بالشبه وما من دليل عقلي إلا ويقبل الدخل والشبهة ولهذا اختلف العقلاء فكل واحد من المخالفين عنده دليل مخالفة شبهة لمخالفه لكونه خالف دليل هذا الآخر فعين أدلتهم كلهم هي عين شبهاتهم فأين الحق وأين الثقة وأصل الفساد إنما وقع من حيث حكموا الخلق على الحق الذي أوجدهم ثم قال وسلام على المرسلين وما جاءت الرسل عليهم السلام إلا بما أحالته هذه الأدلة النظرية وبما أثبتته فصدقهم في نظرهم وأكذبهم في نظرهم فوقعت الحيرة عند هؤلاء فإذا سلموا له ما قاله عن نفسه على ألسنة رسله وانقادوا إليهم فإن انقيادهم إليهم ينزلهم منزلتهم فإنهم ما انقادوا إليهم من حيث أعيانهم فإنهم أمثالهم وإنما انقادوا إلى الذي جاؤوا من عنده ونقلوا عنه ما أخبر به عن نفسه على ما يعلم نفسه لا على تأويل من وصل إليه ذلك فلا يعلم مراد الله فيه إلا بإعلام الله فيقف الناظر موقف التسليم لما ورد مع فهمه فيه أنه على موضوع ما هو في ذلك اللسان الذي جاء به هذا الرسول لابد من ذلك لأنه ما جاء به بهذا اللسان إلا لنعرف أنه على حقيقة ما وضع له ذلك اللفظ في ذلك اللسان ولكن تجهل النسبة فتسلم إليه علم النسبة مع عقلنا الدلالة بالوضع الاصطلاحي في ذلك اللحن الخاص فتنقاد إليه كما انقاد المرسلون ولهذا قال على المرسلين أي هو واجب عليهم الانقياد بقوله وسلام فنكون أمثالهم ثم قال والحمد لله أي عواقب الثناء إذ كل ما جاؤوا به إنما قصدوا به الثناء على الله فعواقب الثناء على الله بما نزه عنه أن الثناء على الله في ذلك كونه تعالى أنطقهم به وأوجد ذلك في نفوسهم لأن الذي قالوه يكون حقا ولابد ولهذا قال والحمد فإن الحمد العاقب فعواقب الثناء ترجع إلى الله وعاقب الأمر آخره ولا آخر لما قالوه إلا كونه موجودا عنه تعالى فيهم فإنه رب العالمين من حيث ثبوته في ربوبيته بما يستحقه الرب من النعوت المقدسة وهو سيد العالم ومربيهم ومغذيهم ومصلحهم لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأما قوله وله الكبرياء في السموات والأرض اعلم أن العالم محصور في علو وسفل والعلو والسفل له أمراضا في نسي فالعالي منه يسمى سماء والأسفل منه يسمى أرضا ولا يكون له هاتان النسبتان إلا بأمر وسط يكون بينهما ويكون ذلك الأمر في نفسه ذا جهات فما أظله فهو سماء وما أقله فهو أرض له وإن شئت قلت في الملأ الأعلى والملأ الأسفل أنه كل ما تكون من الطبيعة فهو الملأ الأسفل وكل ما تولد من النور فهو الملأ الأعلى وأكمل العالم من جمع بينهما وهو البرزخ الذي بجهاته ميزهما أو بجمعيته ميزهما بالعلو والسفل من حيث المؤثر والمؤثر فيه اسم فاعل واسم مفعول والحق تعالى بالنظر إلى نفسه لا يتصف بشيء مما يتصف به وجود العالم فالعظمة والكبرياء المنسوبان إليه في ألسنة الفهوانية أن الله لما نسب الكبرياء الذي له ما جعل محله إلا السموات والأرض فقال وله الكبرياء في السموات والأرض ما قال في نفسه فالمحل هو الموصوف بالكبرياء الذي لله فالعالم إذا نظر إلى نفسه صغيرا ورأى موجده منزها عما يليق به سمى ربه كبيرا وذا كبرياء لما كبر عنده بماله فيه من التأثير والقهر فلو لم يكن العالم مؤثرا فيه لله تعالى ما علم أنه صغير ولا أن ربه كبير وكذلك لك رأى لما قامت الحاجة به والفقر إلى غيره احتاج أن يعتقدوا ويعلم أن الذي استند إليه في فقره له الغني فهو الغني سبحانه في نفس عبده وهو بالنظر إلى ذاته معري عن النظر إلى العالم لا يتصف بالغنى لأنه ما ثم عن من وكذلك إذا نظر إلى ذله علم أنه لا يذل لنفسه وإنما يذل تحت سلطان غيره عليه فسما عزيزا لأنه عز الحق في نفس هذا العبد لذله فالعبد هو محل الكبرياء والغنى والعظمة والعزة التي لله فوصف العبد ربه بما قام به فأوجب المعنى حكمه لغير من قام به ومن هنا برقت بارقة لمن قال من أهل النظر أن الباري مريد بإرادة حادثة لم تقم به لأنه ليس محلا للحوادث فخلق إرادة لا في محل فأراد بها فأوجبت الإرادة حكمها لمن لم تقم به هذا القدر وهو الذي لاح عندهم من روح هذا الأمر الذي ذكرناه في الكبرياء وما تم لهم تحقيق النظر إلى آخره بل عبروا عن ذلك بعبارات مختلطة فإن أكثر العقلاء يرون المعاني لا توجب أحكامها إلا لمن قامت به وهذا غلط طرأ عليهم لكونهم أثبتوا الصفات أعيانا متعددة وجودية لا تقوم بنفسها بل تستدعي موصوفا بها تقوم به فيوصف بها فلو علموا أن ذلك كله نسب وإضافات في عين واحدة تكون تلك العين بالنسبة إلى كذا عالمة وإلى كذا قادرة وإلى كذا مريدة وإلى كذا كبيرة وإلى كذا غنية وإلى كذا عزيزة إلى سائر الصفات والأسماء لأصابوا ألا نراهم يقولون في الكبرياء والعظمة والغنى والعزة أنها صفات تنزيه أي هو منزه عندهم عن نقيضها وليس الأمر عند المحققين كما قالوه وإنما هو منزه عن قيام الكبرياء بحيث أن يكون محلا له بل الكبرياء محله الذي عينه الحق له وهو السموات والأرض فقال وله الكبرياء في السموات والأرض وهو أي هوية الحق العزيز أي المنيع لذاته أن تكون محلا لما هي السموات والأرض له محل وليس إلا الكبرياء فما كبر إلا في نفس العالم وهو أجل من أن يقوم به أمر ليس هو بل هو الواحد من جميع الوجوه وهو الحكيم بما رتبه في الخلق ومن جملة ما رتبه بعلمه وحكمته أنه جعل السموات والأرض محلا لكبريائه فكأنه يقول وله الكبرياء الذي خلقه في نفس السموات والأرض حتى يكبروا إلههم به وكذلك وقع فكبروه في نفوسهم فقالوا أنه ذو الجلال أي صاحب الجلال الذي نجده في نفوسنا له والإكرام بنا فإن نظرت بعين الحقيقة ففتح الله منك عين الفهم علمت من سميت ومن وصفت ومن نعت ولمن هي هذه النعوت وبمن قامت وإلى أي عين نسبت وأما قوله فيما وصف به نفسه مما هو عند النظار صفة للخلق حقيقة وأخذوه في الله تجوزا من جوع وظمأ ومرض وغضب ورضىإذا نظر إلى ذله علم أنه لا يذل لنفسه وإنما يذل تحت سلطان غيره عليه فسما عزيزا لأنه عز الحق في نفس هذا العبد لذله فالعبد هو محل الكبرياء والغنى والعظمة والعزة التي لله فوصف العبد ربه بما قام به فأوجب المعنى حكمه لغير من قام به ومن هنا برقت بارقة لمن قال من أهل النظر أن الباري مريد بإرادة حادثة لم تقم به لأنه ليس محلا للحوادث فخلق إرادة لا في محل فأراد بها فأوجبت الإرادة حكمها لمن لم تقم به هذا القدر وهو الذي لاح عندهم من روح هذا الأمر الذي ذكرناه في الكبرياء وما تم لهم تحقيق النظر إلى آخره بل عبروا عن ذلك بعبارات مختلطة فإن أكثر العقلاء يرون المعاني لا توجب أحكامها إلا لمن قامت به وهذا غلط طرأ عليهم لكونهم أثبتوا الصفات أعيانا متعددة وجودية لا تقوم بنفسها بل تستدعي موصوفا بها تقوم به فيوصف بها فلو علموا أن ذلك كله نسب وإضافات في عين واحدة تكون تلك العين بالنسبة إلى كذا عالمة وإلى كذا قادرة وإلى كذا مريدة وإلى كذا كبيرة وإلى كذا غنية وإلى كذا عزيزة إلى سائر الصفات والأسماء لأصابوا ألا نراهم يقولون في الكبرياء والعظمة والغنى والعزة أنها صفات تنزيه أي هو منزه عندهم عن نقيضها وليس الأمر عند المحققين كما قالوه وإنما هو منزه عن قيام الكبرياء بحيث أن يكون محلا له بل الكبرياء محله الذي عينه الحق له وهو السموات والأرض فقال وله الكبرياء في السموات والأرض وهو أي هوية الحق العزيز أي المنيع لذاته أن تكون محلا لما هي السموات والأرض له محل وليس إلا الكبرياء فما كبر إلا في نفس العالم وهو أجل من أن يقوم به أمر ليس هو بل هو الواحد من جميع الوجوه وهو الحكيم بما رتبه في الخلق ومن جملة ما رتبه بعلمه وحكمته أنه جعل السموات والأرض محلا لكبريائه فكأنه يقول وله الكبرياء الذي خلقه في نفس السموات والأرض حتى يكبروا إلههم به وكذلك وقع فكبروه في نفوسهم فقالوا أنه ذو الجلال أي صاحب الجلال الذي نجده في نفوسنا له والإكرام بنا فإن نظرت بعين الحقيقة ففتح الله منك عين الفهم علمت من سميت ومن وصفت ومن نعت ولمن هي هذه النعوت وبمن قامت وإلى أي عين نسبت وأما قوله فيما وصف به نفسه مما هو عند النظار صفة للخلق حقيقة وأخذوه في الله تجوزا من جوع وظمأ ومرض وغضب ورضى وسخط وتعجب وفرح وتبشيش إلى قدم ويد وعين وذراع وأمثال ذلك مما وردت به الأخبار عن الله على السنة الرسل وما ورد من ذلك في الكلام المنسوب إلى الله المعبر عنه بصحيفة وقرآن وفرقان وتوراة وإنجيل وزبور فالأمر عند المحققين أن هذه كلها صفات حق لا صفات خلق وأن الخلق اتصف بها مزاحمة للحق كما اتصف العالم أيضا بجميع الأسماء الإلهية الحسنى وأجمع النظار عليها والكل أسماؤه من غير تخصيص هذا مذهب المحققين فيه فإنه صادق ولهذا نحن في ذلك على التوقيف فلا نصفه إلا بما وصف به نفسه ولا نسميه إلا بما سمى به نفسه لا نخترع له أسما ولا نحدث له حكما ولا نقيم به صفة فإنه قد قدمنا لك أنه لا يماثلنا ولا نماثله فليس كمثله شيء منا وليس كمثلنا شيء منه فهو لنفسه بنسفه ونحن لنا به لا بالانستقل بوجودنا كما استقل هو إلا أنه خلق العالم على صورته ولذلك قبل التسمي بأسمائه فانطلق على العالم ما انطلق على الحق من حيث ما أطلقه الحق على نفسه فعلمنا أنه في أسمائه الأصل لا نحن فما أخذ شيئا هو لنا ولا نستحقه بل كل ذلك له ومن جملة ما خلق الله الخيال وظهر لنا فيه بهذه الأسماء والصفات ففصلنا وقسمنا ورفعنا وخططنا ولم يترك شيئا من صفات العالم عندنا إلا وصفنا بها خالقنا فكشف لنا فإذا قلنا ذلك كله صفاته لا صفاتنا فصفات العالم على الحقيقة هوية الحق والاختلاف في التجليات الإلهية لحقائق الممكنات في عين الحق فإنه عين الصورة التي أدركناها إذ لا نشك فيما رأينا أنا رأينا الحق بالعلامة التي بيننا وبينه وهو من هويته بصرنا وسمعنا فما رأيناه إلا به لا ببصرنا ولا سمعنا كلامه إلا به لا بسمعنا فلابد من عين هو مسمى العالم ولابد من عين هو مسمى الحق ليس كمثل واحد شيء من الآخر فهذا بعض ما يحوي عليه التواضع الكبريائي والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
الباب الثامن والثمانون وثلثمائة في معرفة منازلة مجهولة وذلك إذا
ارتقى من غير تعيين قصد ما يقصده من الحق وكل شيء عند الحق معين فقد قصده من الحق ما لا يناسب قصده من عدم التعيين
نكون على النقيض إذا اجتمعنا . . . وإن بنا نكون على السواء
وفي التحقيق ما في الكون عين . . . بلاشك سواه ولا مراء
فقل للمنكرين صحيح قولي . . . عميتم عن مطالعة العماء
وعن نفس تكون فيه خلق . . . كثير شكله شكل المرائي
صفحه ۵۲۱