1273

فتوحات مکیه

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

ناشر

دار إحياء التراث العربي

ویراست

الأولى

سال انتشار

1418هـ- 1998م

محل انتشار

لبنان

مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
ایوبیان

وأما قوله وما قدروا الله حق قدره وهو الذي أنطقهم بما نطقوا به فيه فإنه يقول عن المسهود عليهم أنهم قالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء فما من شيء ينطق إلا والله أنطقه واختلف المنطوق به فثم نطق أي منطوق به يتعلق به مديح وثم منطوق به يتعلق به ذم وثم منطوق به يتعلق به تجوز لتواطئ جعله الله في العالم وثم منطوق به على ما هو المدلول عليه في نفسه فهو اخبار عن حقيقة وما ثم إلا ما ذكرناه فنطق المدح شهادة أولي العلم بتوحيد الله ونطق الذم قول القائل إن الله فقير ويد الله مغلولة يريد البخل ونطق بالحقيقة والله خلقكم ونطق بالتجوز للتواطئ وما تعملون والآية واحدة فأما قوله وما قدروا الله حق قدره لكونهم ليسوا مثله فما عرفوه ومن جهل أمره لا يقدر قدره فهم ليسوا له بمثل ولا هو مثل لهم فوصفوه بنفوسهم وبما هم عليه ولا يتمكن لهم إلا ذلك لأنهم يريدون الوصف الثبوتي ولا يكون إلا بالتشبيه ومن جعل مثلا لمن لا يقبل المثل فما قدره حق قدره أي ما أنزله المنزلة التي يستحقها فذمهم بالجهل حيث تعرضوا لما ليس لهم به علم من نفوسهم فلو قالوا فيه بما أنزله إليهم لم يتعلق بهم ذم من قبل الحق في ذلك لأن الحاكي لا ينسب إليه ما حكاه فلا يتعلق به ذم في ذلك ولا مدح فعلم الخلق بالله لا يدرك بقياس وإنما يدرك بإلقاء السمع لخطاب الحق إما بنسفه وإما بلسان المترجم عنه وهو الرسول مع الشهود الذي لا يسعه معه غير ما سمعه من الخطاب كما قال إن في ذلك إشارة لما تقدم لذكرى لمن كان له قلب فأحال على النظر الفكري بتقلب الأحوال عليه أو ألقى السمع وهو شهيد وما عدا هذين الصنفين فلا طريق لهم إلى العلم بما يستحقه الحق أن يضاف إليه وما يستحقه الخلق أن يضاف إليهم فمن عرف نفسه فإنه لا يماثله الحق ومن عرف ربه فإنه لا يماثله الخلق إذ معرفتك بجزء واحد من العالم من كونه دليلا عين معرفتك بالعالم كله فلهذا أنزلنا العالم منزلة الواحد فنفينا عنه المثلية إذ ما ثم في الوجود إلا الحق والحق ما هو مثل للعالم وإن كان العالم يماثل بعضه بعضا كما تحكم في الأسماء الإلهية في الغافر والغفور والغفار وأمثال هذا بأنها أمثال وإن تميزت بمراتب كالعالم فإن فيه أمثالا وإن تميزت بالأعيان والمراتب ولهذا ما نزلت هذه الآيات إلا في مقابلة قول كان منهم ورد ذلك في الخبر النبوي وأما في القرآن فقوله وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء مع إقرارهم أن التوراة أنزلت على موسى عليه السلام من عند الله فكذبوا على الله فاسودت وجوههم أي ذواتهم فلا نور لهم يكشفون به الأشياء بل هم عمي فهم لا يبصرون وأما قوله سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين فهذه آية ما نزل عند العارفين أشكل منها لما فيها من التداخل فدخل تحت قوله تعالى في تنزيه نفسه عما يصفون به عباده مما تعطيهم أدلتهم في زعمهم بالنظر الفكري كل على حياله وكل واحد يدعي التنزيه لخالقه في ذلك فأما الفيلسوف فنفى عنه العالم بمفردات العالم الواقعة في الحس منهم فلا يعلم عندهم أن زيد بن عمر وحرك أصبعه عند الزوال مثلا ولا أن عليه في هذا الوقت ثوبا معينا لكن يعلم أن في العالم من هو بهذه اصفة مطلقا من غير تعيين لأن حصول هذا العلم على التعيين إنما هو للحس والله منزه عن الحواس فقد اندرج عندهم هذا العلم بهذا الجزء في العلم الكل الذي هو أن في العالم من هو بهذه المثابة وقد حصل المقصود عندهم وفاتهم بذلك علم كبير فإن صاحب هذه الحركة المعينة من الشخص المعين يجوز أن تقوم بغيره فبأي شيء تقوم الحجة لله على تعيين هذا العبد حتى قرره عليها في الآخرة أو حرمه ما ينبغي له في الدنيا أو لم يتحرك بتلك الحركة وإن كان من أصل صاحب هذا النظر إنكار الآخرة المحسوسة وإنكار الوهب في الدنيا والجزاء لصاحب هذه الحركة على التعيين وإن من مذهبه أن تلك الحركة هي المانعة لذاتها أن يحصل لهذا المتحرك بها ما تمنعها حقيقة تلك الحركة فهو بان على أصل فاسد وهو أن الله ما صدر عنه إلا ذلك الواحد الأول لأحديته ثم انفعل العالم بعضه عن بعض من غير تعلق علم من الله تفصيلي بذلك بل بالعلم الكل الذي هو عليه وأما المتكلم مثل الأشعري فانتقل في تنزيهه عن التشبيه بالمحدث إلى التشبيه بالمحدث فقال مثلا في استوائه على العرش أنه يستحيل عليه أن يكون استواؤه استواء الأجسام لأنه ليس بجسم لما في ذلك من الحد والمقدار وطلب المخصص المرجح للمقادر فيثبت له الافتقار بل استواؤه كاستواء الملك على ملكه وأنشدوا في ذلك استشهادا على ما ذهبوا إليه من الاستواء

صفحه ۵۱۹