وبعد: فإنه لم يزل بعض أهل الولع بالتحقيق في العلوم الدينية، ومن همه في سلوك منهج التدقيق يسألنا إملاء نبذة في مسألة الإمامة شافية، وبما أراد من تنقيح معانيها وافية، وكلما اعتذرنا عن ذلك بما نحن عليه[فيه] (1) من الشواغل المستغرقة للأذهان على مر الزمان في كل مكان لم يزدد إلا مبالغة في طلب الإسعاد، والتماس الإسعاف إلى ذلك المراد، فلم نر إلا الإجابة وعدم الابتعاد، وإن كانت الأوقات مشغولة والقلوب من كثرة المشاق معلولة، وأيدي الأنظار المحررة مغلولة، فإعانة الله سبحانه وتعالى مأمولة، وإياه نسأل أن يثبتنا في الورد والصدر، وما نأتي وما نذر، وأن يوفقنا لإصابة الصواب، ويعصمنا عن الزيغ والارتياب، ونحن نأتي من أصول مسائل الإمام(2) وفروعها، بما اقترح السائل ذكره والتمس تحقيقه وصدره، ورام منا إيضاحه ونشره، ما سبقنا إليه وما لم نسبق، وما حقق في غير إملائنا هذا وما لم يحقق، حسب ما يدخل في حيز الإمكان، والله تعالى المستعان، مع التزام الانصاف والاغتراف من المورد الصاف، ورفع التعصب بالكلية، فليس لنا بمذهب، وليس وراء الله للمرء مطلب.
مقدمة
جرت عادة الأصحاب بذكر الإمامة في كتب علم الكلام، وفي أصول الدين، وعدت في بعض كتبهم أحد الأصول الخمسة، وليس لذلك وجه يظهر فإنها مسألة فروعية، وباب من أبواب الفقه بين علمي وعملي، وليس ينبغي أن يعد من فن الكلام إلا ما كان علما بالله عز وجل، ذاته، وصفاته، وأفعاله، وأحكام أفعاله، والذي ينبغي أن نعتذر به لهم في ذلك وجهان:
أحدهما: أنها مسألة قطعية لا يؤخذ فيها إلا بالعلم اليقين والأدلة والبراهين، فألحقت بالفن الذي هذا حاله وهذه صفته.
صفحه ۶۶