دُرّ منظوم
الدر المنظوم الحاوي لأنواع العلوم
ومن الغرائب والعجائب ما نقله بعض الأخوان ورأيناه بخط علم من الأعيان إن الصاحب المشار إليه، قال: لا بد له من ضمانة فلان بما هو كذا، أو أن يحضر المسلمون كافة، ويحكموا له أنه لا لوم عليه في ترك مناصبة الإمام في ذلك المرام، ويضعون خطوطهم له بذلك، فيا للعجب ولضيعة الحلم والأدب، تالله ما سمعنا بمثل هذا فيما مضى من اقتراحات الأمة على الأئمة، ولا ندري ما قصد؟ هل حكم الله؟ فما ورد بشرع الله بأن المسلمين يحكمون جميعا في شجار يعرض، وكيف؟! وفي ذلك غاية الشجار، وإنما ورد الشرع بأن يحكم واحد، إذ حكم الله واحد أو حكم(1) الطاغوت، فمعاذ الله أن نجيب إليه، وأكثر ما علمنا من عادة أهله تحكيم ثلاثة، وأما طلب أن المسلمين يجمعون له في صعيد واحد، ويحكمون كلهم بحكم واحد، ويضعون خطوطهم في صك واحد، فهذا كلام بارد، وكفى به دليلا على الباطل، وشاهدا بأن نظر صاحبه عن حلية الإصابة عاطل.
وأبلغ ما انتهى إليه الاقتراح طلب الحكم من حكمين اثنين فقط لمعارض يزعم أنه الأولى بالأمر، فأما طلب مأموم من الإمام أن يرافعه إلى المسلمين كافة، وأن يحكموا له كافة، فهذا من الأساطير، والغرور الكثير، وطلب الأمور المتعذرة التي لا تبلغها مقدرة، ولكن ما عشت أراك الدهر عجبا، وإذا حقق النظر فأعجب من ذلك وأغرب أن تصغي إلى ذلك الأسماع، وتغضي عيون الأعيان عند ظهور مثل هذا الابتداع، وتخمد نار الغضب لله، وتركد ريح الحمية على دين الله، ويتلعب بالدين، بين ظهراني العلماء الراشدين، وهذا من قبيل التذكير، لا من قبيل التنكير، وفي علمكم الغزير، وحلمكم الجم الغفير، ما يمنع عن التفريط في جنب الله، وعدم التراخي فيما أوجب الله، وفي كتابكم الكريم إشارة إلى تقدم كتب قبله، ولم يبلغنا إلا ما هذا جوابه. والسلام عليكم والدعاء مستمد.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم إلى يوم الدين
صفحه ۴۷۳