421

دُرّ منظوم

الدر المنظوم الحاوي لأنواع العلوم

أما الجواب الجملي فنقول والله الموفق: أما الذي نعتقده فإنه لم يصدر منا سبب يعتل به علينا ويجعل ذريعة لتوجيه الملام علينا، فقد عاملنا الناس بعد قيامنا هذا بأحسن المعاملة، وجاملناهم أبلغ المجاملة، وأحسنا إلى المحسنين، وتجاوزنا عن المسيئين، وبالغنا في الألطاف، واستعطفنا غاية الاستعطاف، واقتعدنا غارب الأسفار، واقتحمنا غمار الأخطار، في البلوغ إلى ديارهم، ووصولهم إلى قرارهم، والاستقصاء على مبايعتهم، وقبض عهودهم، والتأكيد عليهم، خشية نقض عقودهم، واستمرار مكاتبتهم ومراسلتهم، وصلتهم ومواصلتهم، والتنقل من يمن إلى شام، ومن شام إلى يمن، وعدم الاستقرار في بلد والإستمرار في وطن، وهذا هو الداخل في حيز الإمكان، وأكثر ما يجب الإحتراك على من تصدى لهذا الشأن، وكلما تركناه واجتنبناه من أنواع السعي في ذلك، وسلوك بعض المسالك، فإما لموانع مانعة واضحة، أو لصوارف على الدواعي راجحة، مع نية بحمد الله حسنة صالحة، وتأملات لزناد الإصابة قادحة، وإما أن الإمام ينقسم في الأقطار، ويصير في الليل في قطر وآخر بالنهار، فخارج عن مقدور البشر، وشأن لا يطاق عليه ولا يقتدر، ومن تأمل أحوال كثير من الأئمة الساعين في صلاح الأمة وجد لنا من الاحتراك والاستدراك ما ليس لهم، وبنا من الولع لذلك ما ليس بهم، هذا الإمام المتوكل أقرب الأئمة بنا عهدا، وهو من أوراهم في السعي والجد في تقوية أمره زندا، قام في جهة اليمن ودعا، وتردد فيه وسعى، وقل احتفاله وسعيه في جهة الشام، من حد بلاد الأهنوم إلى بيشة، مع كونها من الجهات الإمامية، التي لم تزل أيدي الأئمة عليها منبسطة، وأمراس أمرهم بها مرتبطة، حتى أن رسله، وكتبه، لم تنته إليها، إلا بعد مضي سنين كثيرة من قيامه، ثم لم يباشرها بنفسه إلا في خلال وصول له إلى صعدة، مر جانبا منها يسيرا استطرقه فقط في أيام قليلة، وكانوا لذلك عنه غافلين، وعليه غير معولين، إلا قليلا منهم بسبب عناية السيد الصالح جمال الدين علي بن صالح، وطائفة دعاهم إلى ذلك، وهذا جدنا الإمام الهادي علي بن المؤيد، وكان له أتباع بالديار اليمنية وأشياع طرائقهم مرضية، وكفى بالفقيه الأفضل، العلامة يوسف بن عثمان الذي كان جبلا من جبال العلم والإيمان، فكان تردده إلى الجهات اليمنية قليلا في أسفار قليلة، ومنتهى ما بلغه كحلان تاج الدين، وقد عاش كل من الإمامين المذكورين بعد دعوته أربعين سنة يزيد أحدهما على هذا القدر قليلا، وينقص الآخر منه قليلا، وها نحن في مدة ست سنين قد بلغنا من أقصى شامنا، إلى أقصى يمننا، وترددنا بين الجهتين مرة بعد مرة، وكرة بعد كرة، وإنما السبب الحقيقي والموجب المقتضي ما منينا به من قلة تناصح الإخوان، وكثرة تخاذل الأعوان، وإن الناس مع ظهوررالإجابة، وكثرة المحبة، وانتشار هذه الدعوة، لم نحظ منهم بإخوان ناصحين، وأعوان صالحين، يطوفون الآفاق، ويحثون على طاعة الخلاق، ويجلبون الأرزاق، التي لا قوام لهذا الأمر إلا بها، ولا ينتظم شأنه إلا بتحصيلها، بل صار أتباعنا وأعواننا، على كثرة عددهم، واتساع مددهم، وظهور ودادهم وحسن اعتقادهم، بين صالح نافع، ذي جاه عريض واسع، ولشرائط الإعانة لو سمح بها جامع، وبين رجل إما صالح لا نفع له ولا إحسان، وإما نافع لكنه خوان، فالأولون لزموا ديارهم، وكانوا حلس أوطانهم، وأغفلوا أمر الإمام، وما يتوجه له عن أذهانهم، وقال لسان حالهم، وإن لم يكن ذلك من مقالهم ?اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون?[المائدة:24]، وليت أنهم مع ذلك راضون عنا، أو عاذرون لنا، بل كلما تغير من أمر الإمام، وانتثر من النظام، ظنوه لتفريطه، وأنه أتى في ذلك من تخبيطه، وما شعروا أن ذلك بسبب خذلانهم، ومعاقرتهم لأوطانهم، وانفراده عن الأعوان، وخروج إدراكه وحده لإصلاح الأمة عن حيز الإمكان، وتفرق الظبا على خداش (1)، وتعسر الانتهاض في بعض الأوقات والانتعاش، والآخرون يقتربون منا ولا يبعدون، ويجيبون إلى تولي أمورنا ويسعدون، ويطوفون البلاد، ويلبون الإمام إلى ما طلب من الأعمال وأراد، ولكن ضرهم أكثر من نفعهم، وتفريقهم أبلغ من جمعهم، لأنهم كما ذكرنا بين رجل ذي دين لا إحكام له ولا إحسان، فيكون سبب تغييره عدم تدبير، ورجل له في النفع تأثير، وليس دينه وتحريه بالكثير، فيضر بعدم تحريه، ويوقع كل تصرف على خلاف ما نحبه فيه، وكثير من هذا القبيل، من يرد العتب إلينا فيما أفسده ويحيل ، ولا أستثني ممن ذكرته من الإخوان والأعوان إلا القليل، فصرت لذلك أحير من ضب(2)، وأذهل من صب(3)، أقدم رجلا وأخر أخرى، وأتفكر ما هو الأولى والأحرى، فإن وقع إهمال للجهات من السعات والطائفين والعمال، وقلنا: من أحب التمسك بعروة الإمام، والأداء لما فرض عليه في شأنه والقيام، فهو يعرف المحجة ويسلكها، ويجد الوصلة إلى ذلك ويدركها، اندرس رسم الإمامة، وانطمس نهجها مع العامة، ووجدوا العذر علينا، وردوا الملامة إلينا، وإن أمرنا الأمراء وبثثنا السعات والأمناء، ووجهنا الطائفين في كل وقت وحين، لم تخل أمورهم عن عدم الإحكام والجري على غير نظام، وكان ما حدث منهم بسبب منا، وكأنه في الحكم صادر عنا، وكلما رجونا في عامل أوساع أنه صالح، ومتجره في ذلك رابح، خاب الأمل، وما صلح العمل، ومن أعجب الأشياء أنها متى حدثت حادثة في قطر شاسع عنا، كانت غاية عمل أعيان أهله ومن نقطع منهم بعلمه وفضله أن يكتب إلينا، ويحيل النظر في ذلك مع تعذره منها علينا، وهو يعلم أنه لو تصدى لدفع ذلك الحادث وإزالة ذلك الكارث، لأمكنه بسهولة، مع خفة المؤنة، فلو أن الإخوان -وفقهم الله- اهتموا بشد الأزر، وصلاح هذا الأمر، كما فعل من سلف من الكبراء الأعلام، مع الأئمة الكرام، ليكونن هذا الأمر في غاية الانتظام، وليصلحن حال الخاص فيه والعام، هذه سيرة الأئمة مقروءة، وآيات فضلهم متلوة، فلينظر الناظر هل استقل أحد منهم بنفسه، وانفرد بإحكام الأمر وحده، لا والله ولكن حظوا بما لم نحظ به، وعوملوا بما لم نعامل به، هذا الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة قام بدعوته كبراء السادة وفضلاء الشيعة، وكفى من ذلك بأن شيخ آل الرسول شمس الدين يحيى بن أحمد كان يطوف الآفاق مع كبر سنه، وضعف بدنه، حتى ورمت قدماه، وهو الذي كان أراد منه المنصور القيام، وله في ذلك أشعار بليغة وسام، وكل إمام هذه حاله، وهكذا رجاله، هذا آخر الأئمة عهدا قام بأمره، ونشر دعوته، وتحصيل المصالح الجهادية، له طائفة انبروا في ذلك، وسلكوا فيه أصعب المسالك، وهجروا فيه المنام، ومنعوا فيه أنفسهم لذة الطعام، ولقد أقام حي السيد علي بن صالح (1) في راحة بني شريف (2) سنة بمكان واحد، يعالج أهلها في طاعته، وإجابة دعوته، وهم يردون عليه أقبح الرد ويصدون عن ذلك أعظم الصد، حتى وقع له الفرج، ومن لج ولج، فعادوا بعد العصيان مطيعين، وإلى الإجابة بعد الامتناع منقادين، وحصل منهم الخيل الجياد، والسيوف الحداد، والدروع الجليلة، والرماح الطويلة، من غير أن يصل الإمام لهم دارا، ولا يسير في طلب ذلك منهم نهارا، وغير هذا وغيره مما هو معروف، وظاهر مكشوف، ولعل من هو جاهل أو متجاهل، أو ذي حقد متحامل، يقول قد حضيت من الإخوان، بكثير من الأعوان، ولكن كان الخلل من لديك، واللوم فيه عائد إليك، ونحن نقول له: تالله ما صدقت فيما ذكرت، ولقد علمنا يقينا بالوجدان من حال أنفسنا والتواتر عن غيرنا، أنا أكثر إنصافا للإخوان وإسعافا للأعوان، وإلانة للأقوال، وتعظيما في الأفعال، ولو أنه وقع الفحص والتنقير، والتأمل للمعاملة مع الإمام الأول والأخير، لوجد بين المعاملتين من الفروق الكبار، كما بين الليل والنهار، والنقاد بصير، وإليه المصير، ولهذا الإجمال تفصيل، يفتقر إلى تعيين وتبيين وتطويل، وليس هذا الكتاب موضع ذكره، ولا مكان صدره ونشره.

صفحه ۴۶۲