ولو كان هذا واجبا متحتما لكان العوام محكوم عليهم بالإخلال بواجب الإمامة، فإنهم ليس في طرف منها ولا وسط، وأنهم آثمون معاقبون مفرطون، وإنهم في طاعتهم للأئمة واتباعهم ومشايعتهم والمجاهدة بين أيديهم والإئتمار بأوامرهم مخطئون، وللمنكر مرتكبون، ولكان فرض الإمام نفسه، وفرض العلماء والفضلاء أن ينكروا عليهم إجابتهم للإمام وطاعتهم له، وتسليم الحقوق إليه والمجاهدة بين يديه، فليس للإمام أن يقهرهم على المنكر، ولا لأحد من علماء الإسلام أن يكتم ما علمه الله من ذلك، فمن كتم علما علمه الله تعالى إياه ألجم بلجام من نار.
وأقل ما يلزم من ذلك أن يتبينوا ما يجب عليهم مما ذكر، ولم يؤثر عن أحد من الأئمة، ولا من علماء الأمة، أنه انتصب في سوق أو جامع أو مجمع ليشعر الإمامة، وإحرازه إياها وجمعه لنصابها، وأنه لا يجوز لهم اتباعه واستماعه، وطاعته ومحبته، وامتثال أوامره ونواهيه، حتى يحصل العلم بما ذكرناه، وكان يلزم في العوام إن عجزوا عن ذلك ولم يتمكنوا منه أن يسقط عنهم تكليف الإمامة وأن لا يجوز للإمام أن يدعوهم، ولا أن يقهرهم على ما يجب له من تسليم الحقوق وامتثال الأوامر، وأن لهم أن يعتذروا بأنه لم يحصل لهم العلم اليقين بإمامته، وعليه أن يقبل ويعذرهم فلا يدعوهم ولا يقهرهم، وهذه إلزامات لا زمة، فإن التزمها أصحابنا فقد اقتحموا من المحذورات جانبا، وكانوا ممن لم يجد إلا الأسنة مركبا، وإن قهقروا عنها وحادوا منها لم يكن لهم بد من الاعتراف بأن تحصيل العلم اليقين ليس من فروض العوام إن سلم أنه من فرض المميزين.
صفحه ۱۴۶