دموع البلياتشو
دموع البلياتشو: مجموعة قصصية تنشر لأول مرة
ژانرها
طيب الرجل خاطره ووعده خيرا، وانطلق أبوك كفرس الرهان في اليومين الباقيين على اليانصيب يطرق أبواب المعارف والجيران والزملاء، لا أعلم حتى اليوم يا بني إن كان قد لجأ إلى شقيقه الذي بقي له من الدنيا أو لم يلجأ إليه. كان أبوك كتوما كالجمل الحرون، تكفي إشارة منه لكي أسكت إلى الأبد، وسمعت بعد ذلك من الكلام المتناثر هنا وهناك أنه لم يترك أحدا لم يقترض منه، سهر وتعب ولف وداخ السبع دوخات. قبل كل الأعمال التي عرضت عليه في السوق ووابور الطحين وحراسة المخازن طول الليل وتنقية دودة القطن وحمل الطوب والزلط والأسمنت على ظهره النحيل، كنت ألاحظ الإرهاق على وجهه وغياب النفس عنه في الليل والشعرات البيض التي زحفت على شعره والصمت الطويل الذي يرتفع جداره بيني وبينه كل يوم ويتعذر علي النفاذ منه، تعب أبوك يا ولدي، تعب أبوك.
قلت مغتصبا ابتسامة باهتة: وأنا وبدر لا نحس ولا نشعر!
واصلت كلامها كأنها تشد حبلا أوشك أن ينقطع قبل أن تصل إلى بر الأمان: وفي اليوم الموعود رسا اليانصيب عليه ونجحت حيلة عوضين، ربما تعمد اللعب بأوراقه فحجز الورقة الخاصة بالبلياتشو في جيبه ولم يستطع أحد أن يكشف اللعبة، وربما تصرف تصرفا آخر لا أدريه، المهم أنه جاء في يومها كالصياد الذي يحمل على ظهره غزالا يفوح منه المسك وهو يهتف من الفرح: خالت اللعبة على الجميع يا أم عبد الرحيم، الولد عوضين أثبت أنه ولد شهم وأن العشرة لا تهون، لو رأيت عيون البهوات والأعيان الزائغة وهي ترمق التمثال الذي وضعته على صدري وأحتضنه بيد وسلمت الخمسين جنيها باليد الأخرى لعوضين! المهم أننا نجحنا يا تفيدة وفاز بدر باليانصيب.
قلت له: وتعبك أنت يا عبد الرحيم؟ والبيت والولد وطلباته؟ هل نسيت أن المرتب لا يصل إلى أربعة جنيها ...
قال منفجرا بالضحك كالبحر الذي يدفع أمواجه العالية لتنطح الصخور: تعب العمر يهون يا أم عبد الرحيم، ماذا يساوي العمر أمام ضحكة بدر؟ اطلبي منه أن يحافظ عليه، علميه أنت أيضا كيف يصونه ويكتفي بالنظر إليه كلما صحا من نومه، ما رأيك أن نسمي البلياتشو على اسمه؟ قلت وأنا أضرب كفا بكف: بدر؟ نسميه بدر؟
قال كأنه يرقص: ولم لا؟ المهم أن يلمع في سمائه على الدوام، المهم ألا تنطفئ كسمائي من الكواكب والنجوم.
وفهمت الوصية يا أمي ونفذتها ووضعتها في عيني طول العمر، وعشت أصونها بعد رحيلك إلى رحمة الله وقبل أن أرى أبي في المنام في نفس الليلة التي رأيته فيها، لكن كلماتك سرت في دمي كالأشواك التي لا تتوقف عن الوخز بالأسئلة التي لا تريد أن تهدأ قبل أن تجد الجواب رحت ألوم نفسي بعد أن غادرت غرفتك لتستريحي: كيف تركتك تتحمل كل هذا العذاب يا أبي؟ وكيف غاب عني أن أعرفك وأسأل أمي عنك؟ آه فلأتركك الليلة يا أمي، وليأذن الله بلقاء آخر فهو جل علاه الرحمن الرحيم الذي سميتماني على اسمه الكريم، وآه يا أبي ويا أمي لو رأيتماني الآن وأمامي حطام بدر المسكين!
7
كان قد شرب فنجان القهوة حتى آخره ويئس - كما يقولون - حتى الثمالة من تجميع أشلاء البلياتشو ولحمها بالصمغ، فبقيت متناثرة أمامه كأطلال بيت منهار، والذي زاد من يأسه أنه لم يستطع أن ينقذ عينا واحدة من الوجه المهشم، وحتى عندما أفلح في لم الحاجب المقوس والرموش الطويلة المعفرة بالبودرة والجفن الأبيض المدور لم تطل عليه ابتسامة ولا لمح أثر دمعة واحدة من الدموع التي كان بريقها يخلب لبه كل صباح ومساء كلما تسلل إلى البوفيه ليطمئن عليه، لم يحس بجوع ولا عطش، ولم يجد في نفسه رغبة في النوم ليغرق فيه أحزانه الرائحة الغادية كالأطفال المشردين، لقد شعر بأنها تتضاعف مع كل نظرة إلى الشظايا المحطمة أمام عينيه، ولا يدري كيف خطر على باله أن التمثال المهشم ليس إلا صورة من أبيه الذي تعذب بسببه وربما ذهب كذلك ضحيته، وانهمرت عليه الأسئلة كالعقارب التي يخرجها المطر من بين الشقوق. لم تكن تلك الأسئلة في الحقيقة جديدة عليه، فقد سبق أن طرحها على أمه المسكينة وهو يعلم أنها على شفا النزع الأخير، يا لك من وحش غبي قاس يا بدر! كيف لم ترحم أمك المريضة من تلك الأسئلة التي رحت تلقيها عليها كالمحقق العنيد الذي ينتزع أطراف الاعتراف الأخير من إنسان يحتضر؟ هل تصورت أن عذابك بالإحساس بالذنب نحو أبيك يمكن أن يبرر تعذيبك للعجوز الطريحة اللاهثة الأنفاس؟ وماذا كنت تنتظر من الذاكرة المنطفئة والوعي الذاهل واللسان المتلعثم بفتات لا يشبع جوعك؟
غابت شمس اليوم الذي تحدثت فيه بالحديث السابق مع أمك، وانطوى ليله وأنت مؤرق الجفنين مشغول بالأسئلة التي راحت تلدغ جسدك وروحك ولم تتركك لحظة، ولم تطلع شمس اليوم التالي وكان يوم جمعة لن تنساه! حتى أسرعت إلى حجرة أمك وعلى فمك ابتسامة المتظاهر بالاطمئنان عليها بعد تناول الإفطار والدواء، نظرت إليك زينب وهي خارجة من عندها نظرة أسف وتحذير، لكنك لم تأبه لها ولم تستطع أن تقاوم جنون السؤال:
صفحه نامشخص