457

دلیل و برهان

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

مسألة الوقوف اعلم أن مسألة الوقوف بين النكار وبيننا لا تنبني على الأصل، لأنهم قالوا: (مهما صدر من المرء أمر اشتبه علينا لا ندري لعله كبير أو غير كبير، فنتوقف عن ولايته بعد ما كان عندنا من أهل الولاية، ورددناه إلى الوقوف لا نبرأ منه ولا نتولاه). وأول ما وقعت هذه المسألة بين الحارث وعبد الجبار، وذلك أنهما اجتمعا في بيت على أمور المسلمين، ولم يقع الاتفاق بينهما وتشاجرا، فأصاب بهما المسلمون، وقد قتل كل واحد منهما صاحبه، ولا يدرون أيهما الظالم من المظلوم، أو هما ظالمان جميعا، أو هما مظلومان جميعا وقد تجننا. فقال المكار: (نقف عنهما حتى نعلم المعتدي منهما).

وقال أهل الدعوة: (نكون على أصل ولايتنا حتى نعلم ما أتيا من المعصية). فاختلفا هاهنا، فقال أهل الدعوة: (نقف في الفعل ولا نقف في الفاعل، فإن نزعنا ولايتنا عن المحق منهما فقد ظلمناه بعد ما أوجبها الله تعالى علينا، والأخرى لا علم لنا بالغيب). وقالوا هم: (نقف عنهما).

واستدلوا على ذلك بعائشة أم المؤمنين حين رميت بالإفك. وقالوا: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) توقف عنها وقال لها: «يا عائشة إن كنت ألممت بشيء مما يقول الناس، فتوبي إلى ربك وراجعيه». فهذا دليل على أنه توقف عنها.

قلنا: لا ولا نعمت عين. بل كان رسول الله عليه السلام على ولايته لها، ولم يصدر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمر يوجب التوقف عنها، لكنها قالت: (الله أعلم لو أقررت بما لم أفعله لصدقتموني، ولكن حسبي الله). فما في هذا ما يدل على وقوفه عنها، بل هي في ولايته لها، لأن هذا أمر واجب، حق المسلم على المسلم: النصيحة والإبقاء عليه، ومع هذا لا يمنع لها حقا واجبا، ونحن على علمنا ولسنا من علم الغيب في شيء، وليست هذه المسألة من الأخرى في شيء كلما اتهمت وليك نقصته حقه.

والأصل في هذه المسألة من قول الله - عز وجل -: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) وأولها قضية عثمان بن عفان.

صفحه ۲۹۳