177

دلیل و برهان

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

باب إيضاح الحق الذي اعتقدناه بالله سبحانه وذلك أن الله تعالى خلق الخلق، وخلق منه هذا الجنس العالي العقل المكلف، جعلهم في أعلى الدرجات، واختصهم بالعقول وفتق الألسنة بالنطق والكلام، وفتق الآذان للسمع، ليتوصلوا إلى الأغراض، وعلمهم أسماء الأشياء، وحد لهم حدودها كما قال عز من قائل: (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبائهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون).

فعند ذلك أمر الله - عز وجل - الملائكة بالسجود تفضيلا لآدم عليهم بمعرفة الأسماء فقال: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين).

وجعل الله الفعل والحرف من الكلام تابعا للأفضل، وجعل لها موازين لغوية، وقضى عليها بالموازين العقلية تمهيدا أو توكيدا للموازين الشرعية، لأن نسبة صناعة النطق إلى القلب كنسبة صناعة النحو إلى اللسان.

وحكم المنطق في المعقولات كحكم النحو في المقولات، وليس في الوجود إلا الخالق والمخلوق فلم يفرد الرب نفسه بلغة مخصوصة يعرب لنا بها عن نفسه لا يشاركه فيها خلق، فاللغة واحدة بها يتعارب (1) وبها يتناصف، وجعلها في حقنا حقيقة لا مجازا وفي حقه مجازا لا حقيقة، ومن وجه آخر في حقنا مجازا لا حقيقة وفي حقه حقيقة لا مجازا، لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فعرفنا الله تعالى حقيقة الوجود، والحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكره والرضى والسخط وأخواتها، والأمر والنهي، والطاعة والمعصية، والمطيع والعاصي، والثواب والعقاب، والجنة والنار، فهذه إحدى عشرة مقالة، فالأولى منها إثبات، والخمس التوالي صفات، والخمس الأخر أفعال، وإن غلط في كل مقامة منها غالط، وسنشرح ذلك إذا صرنا إليه إن شاء الله.

صفحه ۱۲