كانت الأميرة «نور بارق» أو «الجازية» تحب من أعماقها أبا زيد منذ أن التقت عيناها به عقب عودته إلى نجد ومضارب الهلالية كفارس في مطلع شبابه المبكر، وهو الذي تربى يتيما في منفاه لدى قبائل بني الزحلان على مشارف بقاع بلاد الشام منذ مولده كطفل جاء كعنترة على غير لون آبائه ويدعى بركات، لحين تحقق انتصاراته وذيوع صيته الذي عم ربوع جزيرة العرب بأسرها عقب غزواته ومنازلاته وملاحمه التي عرفت عنه.
وكان أكثر ما يلهب حب الجازية لأبي زيد عقب عودته إلى دفء القبيلة لينصب فارسها الأول، هو ذكاؤه الخارق وسعة علمه ومعارفه التي لا حد ولا نهاية لمدى عمقها وتشعبها وطاقاتها، وهو الذي ينطق عن جدارة بمعظم إن لم يكن الألسنة واللغات واللهجات المتداولة على ألسن الأعداء قبل الحلفاء.
وكانت الجازية تنصت له وهو يتحدث معلما ومحاضرا، سواء في الفروسية وأصولها أو في طبائع الأقوام والبلدان والأسفار وعادات الشعوب والأمم التي زارها محاربا وسائحا ومغامرا جوابا ومتخفيا.
كانت تذوب حبا وهي تشهد منازلاته وإيماءاته وتفتحاته وتبدياته تحت مختلف جلود البشر؛ ما بين كاهن تطغى لحيته على صدره، أو شاعر جوال وكهل أعمى، وسائس «خيل الأجاويد»، وشحاذ سائل، وحاو يلعب بالبيضة والأرنب، وحكيم جوال عبر النجوع والبوادي يشفي المرضى والمعلولين ويناصر الضعفاء.
كل هذا وأكثر منه حقق به أبو زيد الانتصار تلو الانتصار للهلالية كما شهدته الجازية على يديها ... بل ما تعلمته منه، حيث كان يصب الكلام في أذنيها قائلا: يا نور يا بنة عمي، أنا صحيح سككي كلها مسالك، لكن المهم هنا هو أقصرها لتحقيق انتصار الهلالية الآن بأسرع من انطباق الجفن على الجفن.
كان ما يبهرها فيه هو فيض معرفته وهو يحادثها عن تاريخ العرب - العاربة - ومآثرهم عن ملوك وتباعنة اليمن، وبحر العرب من مخلفات القدماء من صرواح وطرواح وبقايا الآراميين والثموديين والسبئيين وملكتهم بلقيس بنت الهدهاد، عن بطولات الذباء والزرقاء، وقيم وبطولات النساء العربيات الأمازونيات - المقاتلات .
عن أطلال بعلبك وبوابات صور وقرطاج التي فتحها القائد العربي «هاني بال» أو «هاني بعل» وفتوحاته في جنوب أوروبا وبلاد الغال التي أوصلت الخيول والجمال والأفيال العربية إلى أقصى أصقاع أوروبا.
وكان يصل بالحديث معها عن أسفاره وجولاته في بحار الله المتلاطمة ليصل في نهاية المطاف إلى جزيرة في بلاد القوط، وإلى قطعة سلاح جديدة في نيوقوسيا أو التركستان تحقق بالاستحواذ عليها وعلى أسرار صناعتها النصر للهلالية.
قد تكون غايته حارة في صعيد مصر، أو بلبيس بدلتا مصر، وقد تكون جادة في دمشق ومراكش والأندلس.
كان يحلو للجازية تحضير طعامه عقب المعارك وطرح أسئلتها وإطلاق عنان حديثه العذب الواضح الطلي، وكان في كل مرة ينهي حديثه لها بمقولته الشهيرة: «بلاد العرب للعرب.»
صفحه نامشخص