عرائس البيان في حقائق القرآن
عرائس البيان في حقائق القرآن
بهائه وتخضعوا لجلاله بقوله : ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) أعلمنا أن مزية آدم عليه السلام على الكل بتشريف تسويته ونفخه روحه فيه وإن كان شريف في الأصل فطرة طينه شرفه كان لله ، ومباشرة أنوار ذاته المنزه عن الحلول والاجتماع والافتراق ؛ فيصير قبلة الله في بلاده وعباده فإذا ظهر لكم فاسجدوا له عند معاينتكم أنوار قدرتي وعجائب لطفي.
قال أبو عثمان : إذا خصصته بإظهار النعت عليه من خصائص الروح وبيان التسوية فدعوا مجادلتكم وارجعوا إلى حد القهر والتعبد له.
قال الواسطي : لما نفخ الروح في آدم عليه السلام جعل معرفتها معرفة الحق إياها ، وعلمها علم الحق بها قصودها مرادات بابها على محابها ، فلما احتجب الملائكة بالصورة الصلصالية والرسوم الشجية عن جمال روحه وما صنع الله بعزته وصمديته وجلال جميع صفاته وذاته في تسويته وصفرته حين لم يشاهدوا عين الجبروت والملكوت فيه ، ولم يروا صور حقائق اللاهوتية في مرآة الناسوتية ، واحتجوا وجادلوا بقوله تعالى : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) ترحم عليهم الحق سبحانه بأن رفع حجاب الغيرة عن وجه آدم عليه السلام دلالة منه لهم به إليه ليعرفوا ذلهم وغره فرأوا أنوار الأسماء والصفات وسنا سبحات الذات في وجهه ، ورأوه ملتبسا بنوره ونور نوره ، وما عليه من كسورة ربوبيته ؛ فتاهت قلوبهم ، وفنيت عقولهم من صولة جلاله ، وخروا له ساجدين من شدة حبهم له وشوقهم إليه ، وتصاغرت نفوسهم بين يديه وذلك قوله سبحانه : ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) سجودهم لما بدا من آدم عليه السلام من نور الحق ؛ فسجدوا له لا له بالحقيقة بل سجدوا للأزلي الأبدي المنزه عن إشارة الزائغين ، وتهمة المبطلين ، وأوهام الغالطين ، ولم ير إبليس ما رأت الملائكة ؛ لأنه كان من عالم القهر محجوبا بالقهر عن رؤية جمال الحق في آدم عليه السلام بقوله : ( إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين )، ولو أدركه بتلك الصفة سجد له في كل لمحة ألف مرة.
لو يسمعون كما سمعت كلامها
خروا لعزة ركعا وسجودا
قال بعضهم : أبصر الملائكة من آدم عليه السلام هيكله وشخصه ، ولم يشاهدوا إضافة الروح إليه واختصاص الخلقة به واستقامة التسوية وتعليم الأسماء والإشراف على الغيب فنكلوا على السجود ؛ فلما أظهر الحق تعالى هذه الخصائص سجدوا له وقالوا : سبحانك أنت تخص من تشاء من عبادك بخصائص الولاية ، وتنعيه بنعوت الربانية ، وتجريه إلى بساط القربة ، وأنت الفعال لما تريد.
قال الواسطي : الفرق بين روح آدم عليه السلام وبين الأشياء كلها تسوية الخلقة وتخصيص
صفحه ۲۸۸