عرائس البيان في حقائق القرآن
عرائس البيان في حقائق القرآن
الذي أصل جوهر الماء ، كذلك جميع الأعضاء ، فإذا كان العبد بهذه الصفة في الطهور أجدر أن يكون مقبلا إلى الله بوجهه.
قال عليه السلام : «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره» (1).
والإشارة في الآية إلى تطهير الأسرار من الالتفات إلى الأغيار لاقتباس الأنوار بمياه الحزن التي تجري من عيون قلب المجروح بالمحبة على سواقي العين ، فإذا كان مطهرا من غير الحق فصلواته مواصلة ، وحركاته قربة ، وقراءته زلفة ، وقيامه محبة ، وركوعه خشية ، وسجوده شهود ، وتحياته انبساط ، ودعواته مستجابة ، أي : إذا قمتم عنكم إلى وصلتي ومشاهدتي طهروا أنفسكم من الحدوثية في بحار الربوبية حتى تصلوا إلي بي ؛ لأن الحدث لا يقوم بإزاء القدم.
قال أبو عثمان : شرائط الطهارة معروفة ، وحقيقتها لا ينالها إلا الموفقون من طهارة السر ، وأكل الحلال ، وإسقاط الوسواس عن القلب ، وترك الظنون ، والإقبال على الأمر بحسب الطاقة.
وقال سهل : أفضل الطهارات أن يظهر العبد من رؤية طهارته.
قوله تعالى : ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ) (2) تواتر العزائم بغير الرخص حرج ثقيل على المستأنسين بالله مما سوى الله ، مانعة لأهل المجاهدة بقيودها عن الاقتحام إلى عالم الشهوات ، فرفع الحرج عن المحبين ، وبسط الكرم للمشتاقين ، وسهل أحكام العبودية على العارفين بوضع الرخص ؛ زيادة لاستشواقهم إلى مشاهدته ، وتقديسا لأسرارهم بنور مشاهدته ، وهذا معنى ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم )، أي : أنه لا يريد نصب المجاهدة على أهل المشاهدة ؛ لأنه تعالى أضاف تطهير أسرارهم إلى نفسه لا إليهم ، قال : ( يريد ليطهركم )، وما قال : «لتتطهروا» ، أي : يطهركم عنكم بنور مشاهدته.
صفحه ۳۰۱