على أنه كان يحب الغناء جملة ويطيل الإصغاء إليه ما لم يشغله عن مهم من أمر دينه أو سياسته، فسمع صوت حاد وهم منطلقون إلى مكة في جوف الليل، فما زال يوضع راحلته
26
حتى دخل بين القوم يسمع إلى مطلع الفجر، ثم قال للقوم: إيه! قد طلع الفجر، اذكروا الله. •••
فطبيعة الجندي في الفاروق تامة متكاملة بأصولها وفروعها، ويندر أن تتم طبيعة شاملة في رجل واحد، إلا أن يكون كعمر في أصالة الطبع وصراحته وخلوصه واتساقه، فلا يخذل منه جزء جزءا، ولا تقبل منه وجهة حيث تدبر أخرى، وحينئذ لا عجب أن تنم له طبيعة واحدة بالغة ما بلغت من تعدد العناصر والألوان والشيات، كما أنه لا عجب أن يشبه الولد أباه؛ لأنه أصيل صريح النسب، بالغا ما بلغ التعدد في مشابه الأخلاق والجوارح والأعمال.
ولهذه الطبيعة أثرها في أمور لا تمت إليها على ظاهرها، كأثرها في تحريم رق العربي، وفي إخلاء الجزيرة من غير العرب، فهي شنشنة الغيور على الحوزة، الموكل بحماية الذمار.
27
ولها أثرها في سياسته مع الأمم حيث يأمر الجند بتصديق كلمة الشرف، والبر بالوعد، ولو كان إشارة باليد، أو نبأة من صوت، فقد أوجب على قادته وجنوده إذا نزلوا بلاد الأعاجم فبدرت منهم إشارة أو نبأة يحسبونها عهدا أن ينجزوا هذا العهد، ولا ينكصوا فيه، ولو أتيح لهم أن يتعللوا بجهل اللغة، وغرابة العادات والمصطلحات.
وإنك على الجملة لا تعرض عملا من أعمال الفاروق العامة والخاصة على هذه الطبيعة، إلا وجدت له قرارا فيها، ووجدت عليه صبغة منها.
فهي لا ريب أقرب مفتاح لهذه الشخصية العظيمة، وبها تتميز خصائصه التي لا يشترك فيها أناس مطبوعون على غيرها، وإن كانوا عظماء أقوياء.
وقد أسلفنا الإشارة إلى الإيمان القوي وقلنا إنه ضابط لأخلاقه وسوراته، وليس بمفتاح يكشفها، ويفتح مغالقها؛ لأن الإيمان القوي نفسه يحتاج في فهمه وتمييزه إلى المفتاح الذي يفرق بين ضروب الإيمان عند الأقوياء، وليست القوة كلها - كما لا يخفى - معدنا واحدا في البواعث والمظاهر والآثار.
صفحه نامشخص