والخطأ أساسي، فبسمارك يكون صريحا عندما يريد الإرهاب أو الخداع، لا عند ثقة خصمه به، وقد أراد بسمارك بجوابه أن ينال ثقة نابليون، فوفق لما أراد، وبسمارك قد حذف التفصيل من تقريره كما وعد، وبسمارك قد قص كل شيء على غرلاخ وعلى الملك عند عودته إلى بلده مع ذلك، وبسمارك، مع وصفه نفسه بأنه البروسي الوحيد القادر على كتمان ذلك الاقتراح؛ كان القادر وحده على نصيحة الملك بأن يدعو نابليون الثالث إلى برلين على حين كانت كروززايتنغ تسب نابليون ذلك بلا انقطاع، وبسمارك الواقعي الأكبر يعارض في إبان تقدمه روائيي بوتسدام للمرة الأولى، وبسمارك العاطل من المبادئ يقاوم أنصار العرش الشرعي للمرة الأولى، وبسمارك يتحلل للمرة الأولى من حزبه الذي لم يقسم له يمين الولاء قط، والآن وبعد أن تبادل هو وغرلاخ رسائل كثيرة، يتخلى عن رئيسه هذا لأسباب نفعية وبلا تورع، والآن يضحي بمبدأ العرش الشرعي الأساسي الذي كان يفترض وفاؤه له؛ فالحق أن هذا الرجل الحزبي غدا رجل دولة راغبا في ترك أحكامه الخاصة العقيمة. «والرجل «نابليون» لم يملأ عيني قط، ولدي قليل استعداد للإعجاب بالرجال، وربما كان هذا نقصا في باصرتي التي أرى بها المساوئ قبل المحاسن. وإذا ما أشرتم إلى المبدأ الذي يطبق على فرنسة وعلى شرعيتها وجدتموني موافقا على ربط هذا المبدأ بمذهبي البروسي في الوطنية، ولتعلموا أن اكتراثي لفرنسة هو بما يكون له من الأثر في وضع بلادي، والآن لا نقدر على غير إنشاء الصلات بفرنسة الموجودة فعلا. وفرنسة ليس لها من القيمة عندي أكثر من قطعة ضرورية على رقعة الشطرنج السياسية التي لا أجد لنفسي رسالة فيها غير خدمة مليكي وبلادي، وما لدي من حس الواجب في خدمة بلادي الخارجية فلا أسوغ به العاطفة أو النفرة في وفي الآخرين نحو الدول الأجنبية والأكابر من الأجانب ، فمثل تلك العاطفة أو النفرة يحمل بذور عدم الولاء للملك والبلاد. وعندي أنه لا يحق للملك أن يجعل مصالح الوطن تابعة لشعوره الشخصي تجاه الأجانب حبا أو حقدا.
وهنا أسألكم: هل ترون في أوروبة وزارة ترغب بغريزتها أكثر من رغبة وزارة فينة في عدم ترك بروسية تتقوى، ومن ثم في خفض شأنها في ألمانية؟ ولو سألتني عن البلدان الأجنبية ما وجدتني عاطفا في حياتي على غير إنكلترة وسكانها، ولا أزال أحمل هذا الميل نحوهما، بيد أن القوم لا يقبلون صداقتنا، وإذا وجد من يثبت لي أن هذه السياسة وليدة تأمل وتفكير نظرت بعين الرضا إلى إطلاق كتائبنا النار على الفرنسيين والروس والإنكليز والنمسويين.
ومتى عادت تلك الدول لا تكون ثورية؟ وما هو الدليل على ذلك؟ فالذي يلوح أننا سنغفر لها عدم شرعيتها ما غدت غير خطرة علينا، وليس لنا أن نجدها مذنبة مبدئيا ولو داومت على القول بعدم شرعيتها غير نادمة، أو فخورا بخزيها. وإذا ما بحثنا عن أصل دنيوي للثورة وجب علينا أن نطلبه في إنكلترة أكثر مما في فرنسة ما لم ننشده في ألمانية ورومة منذ زمن بعيد. وما هو عدد الكينونات التي لا تجد لها جذورا في أرض ثورية؟ انظروا إلى إسبانية والبرتغال والبرازيل وجميع الجمهوريات الأمريكية وإلى بلجيكة وهولندة وسويسرة واليونان وإسوج وإنكلترة، حتى إلى الأملاك التي اقتطع أمراء ألمانية في الزمن الحاضر بعضها من الإمبراطور والإمبراطورية، والتي اقتطع بعضهم من بعض قسما آخر منها، لم تجدوا واحدة منها مستندة إلى وثيقة شرعية.
ولو رجعت البصر إلى دولتنا ما وجدتها سالمة من أسس ثورية، حتى إن حوادث الماضي الثورية (عند عدم سريان مرور الزمن عليها بما يمكن أن يقال به عنها؛ كقول العرافة في رواية فاوست: «عندي قنينة أرشف منها في الحين بعد الحين، فلا يأسن
5
ما فيها أبدا».) لا نعتف في كل وقت عن ملاطفتها.»
وهنا نلاقي بسمارك السياسي للمرة الأولى، وفي كتابه ذلك إلى غرلاخ نبصر أسس سياسته، وما كان لديه من آراء في ذلك عند بلوغه الثانية والأربعين من عمره؛ فقد ظل كما هو عند بلوغه الثانية والثمانين من سنيه، ولنفترض أنه كان لدى الأحرار دائرة استخبارات نشيطة كما لدى الحكومات فاستطاعت أن تضبط ذلك الكتاب، فماذا كان يقول نائب من نواب أحزاب الشمال عما يشتمل عليه من عبارات ذاكرا ما نطق به منذ سنين قليلة ذلك الشريف «بسمارك» من تعزير البلدان والتيجان التي نالت أوضاعها بفضل الثورات ومقاتلات الشوارع؟ يقول ذلك النائب: «هل الأمر كذلك؟ إذن، نحن كلنا من أصل ثوري، والأمر يتوقف على مدة مرور الزمن، وقد لا يتوقف عليها، وما كانت لتأتي من الله تلك التيجان التي قيل إنها جاءت بفضل الله، وما صدر عن الشعوب من الفتن وما أبداه الأمراء من حرص وما وقع بين الطبقات من نزاع، وما كان بين الدوكات من تنافس فيما مضى؛ فأمور قررت بالعنف مصير البلاد وحولتها إلى أملاك مقدارا فمقدارا، وليس ما يقع الآن غير ذلك، ولم يكون آل هوهنزلرن شرعيين أكثر من آل بونابارت؟ ولم يكون آل رومانوف شرعيين أكثر من آل سافوي؟ وبم تسوغ امتيازات الأشراف؟»
وهل الذي نطق به ذلك المكافح من حقائق عن الملوك والشرفاء قد أوحي به إليه مصادفة للمرة الأولى؟ كلا، فبسمارك كان يعرف جميع ذلك منذ سبع سنين كما يعرفه اليوم، وبسمارك سيجهر بإنكار ذلك في الغد كما صنع في الماضي إذا ما وجب الدفاع في بلده الخاص عن طبقته الخاصة، ولكن بسمارك يرى أن يسير في الخارج طليقا كما يراه نافعا لبلده الخاص، وليس عنده أوهام مقررة في الأمور الخارجية، وما يعده عقيدة في بلده فيراه من المشاعر في الخارج، وما هو من شئون الدولة في الداخل فيراه من المهازئ الروائية في الخارج، والحق أن من مبادئ بسمارك الأساسية أن تقوم السياسة الداخلية والسياسة الخارجية على مقياسين مختلفين، وليس من التجوز أن يقال إن بسمارك هو الذي أدخل ذلك المبدأ ذا الوجهين إلى ألمانية سائرا على غرار ريشيليو، ولكن هذا الانفتاق هو مصدر مختلف الأوهام والأضاليل التي ساورت الألمان في الداخل على حين كان سلطان الدولة يزيد في الخارج مع الشعور بقدرة ذلك القطب السياسي.
وتتجلى عظمة بسمارك وحدود نفوذه في عزمه الذي لا يكدره مبدأ ولا تهزه عاطفة فلا يهدف إلا إلى سلطان بلده الخاص، وفي هزوئه بالآراء التي كانت توجه أوروبة وعصره، وفيما كان هذا المناضل ينال لبلده نصرا بعد نصر في الخارج كان يدوس حقوق الأمة في بلده تحت قدميه، كان يطأ برجليه تلك الحقوق التي لا يمتهنها أي رجل سياسي من غير أن يجازى، وذلك بدلا من الموازنة بينها بقوى متكافئة، ومما يسره أن يرى جنودا يطلقون النار على الأجانب أو على الألمان إذا ما كان في ذلك نفع لبروسية، وما يبديه في المستقبل من ميل إلى مطاردة الجيش لعصاة بروسية الراغبين في إدارة بلدهم بأسلوب يخالف أسلوبه فينطوي على عوامل كسر شوكته.
الفصل الرابع
صفحه نامشخص