بيان الشرع
بيان الشرع
ويوجد عن أبي محمد في جامعه: إن الذبح بالسكين المغتصبة أو المسروقة لا تكون ذكية، ولا يجوز أكلها، هكذا يخرج عندي معنى قوله، واحتج على ذلك فقال: فإن قال قائل: الغاصب يكون عاصيا في الغصب وفي السرقة ولا يكون عصيانه مبطلا لذبحه، قيل له: فإن سرقته معصية واستعماله في الذبح معصية أخرى، كرجل سرق طعاما وهو عاص بالسرقة، فإذا أكله حصلت له معصية أخرى في الأكل، وكذلك الذابح بها عاص باستعماله كعصيانه في سرقتها، وإذا كان هكذا فقد ثبت ما قلناه، فإن قال: فأي شيء منع من استعمال السكين؟ قيل له: أجمع الناس جميعا أن ليس له أن يذبح بها، فإن قال أو ليس قد ورد النهي في هذا الموضع لما يمنع من أكلها إذا ذبحت، فلم منعت من أكلها؟ قيل له منعنا من أكلها لما تقدم أنه لم يأت بالذكاة الشريعة ولو كان ورود النهي في الآلة التي يذبح بها لا يمنع من أكلها للزم الشافعي المبيح لها أن يقول يذبح بالسن والظفر ثم تؤكل ذبيحته، فلما قال إنها لا تؤكل لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل ما ذبح بسن أو ظفر، فكذلك لما نهى الذابح أن يذبح بالسكين المغصوبة أن لا تؤكل لنهي الله والرسول عن ذلك، ويلزم أيضا أبا حنيفة وأصحابه ممن أجاز أكلها على ما وصفنا قال إذا ذبح بالسن والظفر الثابتين في موضعهما لم تؤكل الذبيحة، وأما مالك فأجاز أكلها إذا ذبحت بالسن والظفر، سواء كانا ثابتين أو غير ثابتين، فاعتمدنا على ما تقدم من ذكرنا له، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقد عمل هذا المتعدي في شاة غيره أو سكين غيره عملا عليه نهى الرسول عليه السلام، وإذا كان منهيا عنه كان فعله مردودا ولم يكن مجوزا، وبالله التوفيق.
وقد جاء في الأثر: رجل تزوج امرأة زوجه بها أبوها، وله بنت غيرها، فقال الأب: هي هذه، وقال الزوج: بل هي هذه، ونسيت البينة اسمها فنكاحها ينتقض، ويجبر الزوج على طلاقهما جميعا، ولا شيء عليه، فإن مات الزوج أو ماتتا جميعا فإن كان اسمهما واحدا وقال الأب: الكبيرة، وقال الزوج: الصغيرة فالقول قول الأب، وأقول للزوج لا يدخل حتى يجدد النكاح ويجبر الزوج والأب على التجديد، فإن اختلفا في الصداق، فإن شاء الزوج أعطاها ما قال الأب ودخل بها، وإن شاء طلقها وأعطاها نصف ما أقر به.
وسئل أبو علي عنها فقال: لا يكون القول قوله، وقاسها بالبيع، وقيل لأبي عبد الله أرأيت البيع إذا كانت السلعة في يد البائع؟ فقال: إذا كانت في يده فالقول قوله، ولا يجبر المشتري على أخذها، ولا يحكم عليه، وبينهما الأيمان.
وجاء في السيرة التي تضاف إلى أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب قال: ولو أنا لم نضع هذا الكتاب على الاستقصاء لذكرنا من عللهم ما هو أقوى مما وجدناه لهم، ولبسطناه بسطا متكاملا كافيا (¬1) لمتأمله منا ومنهم، لكنا لم نأمل أن يكون منهم المعتقد لذلك، فيتخذ ذلك سلاحا له على الضعفاء دون ما نقضناه به، فنحل بمنزلة من حمل السلاح إلى أهل حربه، فانظر كيف قاس أبو المنذر بشير ذكره لعلل خصمائه على حمله السلاح إلى أهل حربه.
صفحه ۴۳