335

وقال الدكتور طه حسين في كلمة قيمة (1) قرظ فيها كتابنا " الاضواء " وهو يذكر ما بذله رجال الجرح والتعديل : وقد فطن المحدثون القدماء لهذا كله 8 واجتهدوا ما استطاعوا في التماس الصحيح من الحديث وتنقيته من كذب الكذابين وتكلف المتكلفين . وكانت طريقتهم في هذا الاجتهاد إنما هي الدرس لحياة الرجال الذين نقلوا الحديث جيلا بعد جيل حتى تم تدوينه فكانوا يتتبعون كل واحد من هؤلاء الرجال ويتحققون من أنه كان نقى السيرة صادق الايمان بالله ورسوله . شديد الحرص على الصدق في حديثه كله وفي حديثه عن النبي خاصة ، وهو جهد محمود خصب بذله المتقنون من علماء الحديث وأخلصوا فيه ما وجدوا إلى الاخلاص سبيلا . ولكن هذا الجهد على شدته وخصبه لم يكن كافيا ، فمن أعسر الاشياء وأشدها تعقيدا أن تتبع حياة الناس والبحث والفحص والتنقيب عن دقائقها ، فمن الممكن أن تبحث وتنقب دون أن تصل إلى حقائق الناس ودقائق أسرارها ، وما تضمر قلوبهم في أعماقها ، وما يمعنون في الاستخفاء به من ألوان الضعف في نفوسهم ، وفي سيرتهم أيضا . ولم يكن بد إلى أن يضاف إلى هذا الجهد جهد آخر ، وهو درس النص نفسه فقد يكون الرجل صادقا مأمونا في ظاهر أمره بحيث يقبل القضاة شهادته إذا شهد عندهم . ولكن الله وحده هو الذى اختص بعلم السرائر وما تخفيه القلوب ، أو تستره الضمائر ، وقد يكون الرجال الذين روى عنهم حديثه صادقين مأمونين مثله يقبل القضاة شهادتهم إن شهدوا عندهم . ولكن سرائرهم مدخولة تخفى دخائلها على الناس . فلا بد إذن من أن نتعمق نص الحديث الذى يرويه عن أمثاله من العدول لنرى مقدار موافقته للقرآن الذى لا يتطرق إليك الشك ولا يبلغه الريب من أي جهة من جهاته ، لانه لم يصل إلينا من طريق الرواة أفرادا أو جماعات ، وإنما تناقلته أجيال الامة الاسلامية مجمعة على نقله في صورته التى نعرفها . وهذه الاجيال لم تنقله بالذاكرة وإنما تناقلته مكتوبا ، كتب في أيام النبي نفسه وجمع في خلافة أبى بكر ، وسجل في المصاحف وأرسل إلى الاقاليم في خلافة

---

(1) نشرت هذه الكلمة بجريدة الجمهورية المصرية الصادرة في 25 نوفبر 1958 وقد افتتحنا بها هذه الطبعة من كتابنا . (*)

--- [ 339 ]

صفحه ۳۳۸