کتاب الادب الکبیر

كتاب الأدب الكبير

ویرایشگر

أحمد زكي باشا

ناشر

دار ابن حزم

ویراست

الأولى

سال انتشار

1414هـ - 1994م

محل انتشار

لبنان / بيروت

الأدب الكبير

بسم الله الرحمن الرحيم

قال عبد الله بن المقفع

: إنا وجدنا الناس قبلنا كانوا أعظم أجساما ، وأوفر مع أجسامهم أحلاما ، وأشد قوة ، وأحسن بقوتهم للأمور إتقانا ، وأطول أعمارا ، وأشد قوة ، وأحسن بقوتهم للأمور إتقانا ، وأطول أعمارا ، وأفضل بأعمارهم للأشياء اختبارا . فكان صاحب الدين منهم أبلغ في أمر الدين علما وعملا من صاحب الدين منا ، وكان صاحب الدنيا على مثل ذلك من البلاغة والفضل .

ووجدناهم لم يرضوا بما فازوا به من الفضل الذي قسم لأنفسهم حتى أشركونا معهم في ما أدركوا من علم الأولى والآخرة فكتبوا به الكتب الباقية ، وضربوا الأمثال الشافية ، وكفونا به مؤونة التجارب والفطن .

صفحه ۱۳

وبلغ من اهتمامهم بذلك أن الرجل منهم . كان يفتح له الباب من العلم ، أو الكلمة من الصواب وهو في البلد غير المأهول فيكتبه على الصخور مبادرة للأجل وكراهية منه أن بسقط ذلك عمن بعده .

فكان صنيعهم في ذلك صنيع الوالد الشفيق على ولده ، الرحيم البر بهم ، الذي يجمع لهم الأموال والعقد إرادة ألا تكون عليهم مؤونة في الطلب ، وخشية عجزهم ، إن هم طلبوا .

فمنتهى علم عالمنا في هذا الزمان أن يأخذ من علمهم ، وغاية إحسان محسننا أن يفتدي بسيرتهم .

وأحسن ما يصيب من الحديث محدثنا أن ينظر في كتبهم فيكون كأنه إياهم يحاور ، ومنهم يستمع ، وآثارهم يتبع .

صفحه ۱۴

غير أن الذي نجد في كبتهم هو المنتخل من آرائهم والمنتقى من أحاديثهم .

ولم نجدهم غادروا شيئا يجد واصف بليغ في صفة له مقالا لم يسبقوه إليه : لا في تعظيم لله ، عز وجل ، وترغيب فيما عنده ، ولا في تصغير للدنيا وتزهيد فيها ، ولا في تحرير صنوف العلم وتقسيم أقسامها وتجزئة أجزائها وتوضيح سبلها وتبيين مآخذها ، ولا في وجه من وجوه الأدب وضروب الأخلاق .

فلم يبق في جليل الأمر ولا صغيرة لقائل بعدهم مقال .

صفحه ۱۵

وقد بقيت أشياء من لطائف الأمور فيها مواضع لصغار الفطن ، مشتقة من جسام حكم الأولين وقولهم ، فمن ذلك بعض ما أنا كاتب في كتابي هذا من أبواب الأدب التي يحتاج إليها الناس .

يا طالب الأدب

يا طالب الأدب إن كنت نوع العلم تريد فاعرف الأصول والفصول . فإن كثيرا من الناس يطلبون الفصول مع إضاعة الأصول فلا يكون دركهم دركا . ومن أحرز الأصول اكتفى بها عن الفصول . وإن أصاب الفصل بعد إحراز الأصل فهو أفضل .

فأصل الأمر في الدين أن تعتقد الإيمان على الصواب ، وتجتنب الكبائر ، وتؤدي الفريضة . فالزم ذلك لزوم من لا غنى له عنه طرفه عين ، ومن يعلم أنه إن حرمه هلك . ثم إن قدرت على أن تجاوز ذلك إلى التفقه في الدين والعبادة فهو أفضل وأكمل

صفحه ۱۶

وأصل الأمر في صلاح الجسد ألا تحمل عليه من المآكل والمشارب والباه إلا خفاقا ، ثم إن قدرت على أن تعلم جميع منافع الجسد ومضاره والانتفاع بذلك كله فهو أفضل .

وأصل الأمر في البأس والشجاعة ألا تحدث نفسك بالإدبار ، وأصحابك مقبلون على عدوهم . ثم إن قدرت على أن تكون أول حامل وآخر منصرف ، من غير تضييع للحذر فهو أفضل .

وأصل الأمر في الجود ألا تضن بالحقوق على أهلها . ثم إن قدرت أن تزيد ذا الحق على حقه وتطول على من لا حق له فافعل فهو أفضل .

صفحه ۱۷

وأصل الأمر في الكلام أن تسلم من السقط بالتحفظ . ثم إن قدرت على بارع الصواب فهو أفضل .

وأصل الأمر في المعيشة ألا تني عن طلب الحلال ، وأن تحسن التقدير لما تفيد وما تنفق . ولا يغرنك من ذلك سعة تكون فيها . فإن أعظم الناس في الدنيا خطرا أحوجهم إلى التقدير ، والملوك أحوج إليه من السوقة لأن السوقة قد تعيش بغير مال ، والملوك لا قوام لهم إلا بالمال . ثم إن قدرت على الرفق واللطف في الطلب والعلم بوجوه المطالب فهو أفضل .

صفحه ۱۸

وأنا واعظك في أشياء من الأخلاق اللطيفة والأمور الغامضة التي لو حنكتك سن كنت خليقا أن تعلمها ، وإن لم تخبر عنها . ولكنني قد أحببت أن أقدم إليك فيها قولا لتروض نفسك على محاسنها قبل أن تجري على عادة مساوئها . فإن الإنسان قد تبتدر إليه في شبيبته المساوئ ، وقد يغلب عليه ما بدر إليه منها للعادة ، وإن لترك العادة مؤونة شديدة ورياضة صعبة . صفحة فارغة .

صفحه ۲۰

1 - ادآب السلطان

باب إن ابتليت بالسلطان فتعوذ بالعلماء

.

صفحه ۲۱

واعلم أن من العجب أن يبتلى الرجل بالسلطان فيريد أن ينتقص من ساعات نصبه وعمله فيزيدها في ساعات دعته وفراغه وشهوته وعبثه ونومه . وإنما الرأي له وحق عليه أن يأخذ لعمله من جميع شغله ، فيأخذ له من طعامه وشرابه ونومه وحديثه ولهوه ونسائه .

وإنما تكون الدعة بعد الفراغ .

فإذا تقلدت شيئا من مر السلطان فكن فيه أحد رجلين : إما رجلا مغتبطا به ، محافظا عليه مخافة أن يزول عنه ، وإما رجلا كارها عليه . فالكاره عامل في سخرة : إما للملوك ، إن كانوا هم سلطوه ، وإما لله تعالى ، إن كان ليس فوقه غيره .

وقد علمت أنه من فرط في سخرة الملوك أهلكوه . فلا تجعل للهلاك على نفسك سلطانا ولا سبيلا .

إياك وحب المدح

صفحه ۲۳

وإياك إذا كنت واليا ، أن يكون من شأنك حب المدح والتزكية وأن يعرف الناس ذلك منك ، فتكون ثلمة من الثلم يتقحمون عليك منها ، وبابا يفتتحونك منه ، وغيبة يغتابونك بها ويضحكون منك لها .

واعلم أن قابل المدح كمادح نفسه . والمرء جدير أن يكون حبه المدح هو الذي يحمله على رده . فإن الراد له محمود ، والقابل له معيب .

باب

لتكن حاجتك في الولاية إلى ثلاثة خصال : رضي ربك ورضى سلطان ، إن كان فوقك ، ورضى صالح من تلي عليه .

ولا عليك أن تلهو عن المال والذكر ، فسيأتيك منهما ما يحسن ويطيب ويكتفى به .

واجعل الخصال الثلاث منك بمكان ما لا بد لك منه . واجعل المال والذكر بمكان ما أنت واجد منه بدا .

صفحه ۲۴