581

البلاغة العربية

البلاغة العربية

ناشر

دار القلم،دمشق،الدار الشامية

ویراست

الأولى

سال انتشار

١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م

محل انتشار

بيروت

﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ .
هذا أيضًا كلامٌ مُؤَكَّدٌ ومُسَاوٍ للمعنى المقصود بيانه، لا إطناب فيه ولا إيجاز.
وحين اعترض موسى ﵇ الاعتراض الثاني على الخضر بشأن قتله الغلام، قال له الخضر:
﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ .
فَأَطْنَبَ إذْ أضاف عبارةَ ﴿لَكَ﴾ مع أنَّ هذه الزّيادة لا لزوم لها في الكلام المساوي، فعبارة ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ بأسلوب الخطاب تَدُلُّ على أنّ الخطاب قَدْ وَجَّهَهُ الخضِرُ له، فما الداعي لأنْ يقول لَهُ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ؟﴾؟
أقول: إنّ الداعي البلاغي لهذا الإطناب هو أنَّ مُوسَى ﵇ تصرَّفَ تَصَرُّف من لم يُدْرِكْ أنّ الْخِطَابَ قَدْ كان مُوَجّهًا له فيما سبق، فاعترض، فاقتضى حالُهُ أَنْ يقولَ لَهُ الخضر: إِنّي كُنْتُ وجَّهْتُ الخطابَ لَكَ بأَنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا.
وحين اعترض موسى ﵇ الاعتراض الثالث على الخضر بشأن إقَامَتِهِ الجدار المائل فى قريَةٍ أَبَى أهْلُها أنْ يُضَيِّفوهُما، قال له الخضر:
﴿هاذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ .
فأوجز فى كلامِهِ، إذْ طوى من اللّفظ عبارة: لأنَّكَ لم تَسْتَطعْ معِيَ صبرًا، وقد انتهت مُدَّة الاتفاق على مصاحبتي.
وبعد أن أبان الخضر لموسى ﵉ التأويل الحكيم للأحداثِ التي أجراها بأمْرِ الله أو إذْنه قال له:
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]

2 / 12