Tuhfat Asmac
تحفة الأسماع والأبصار
وأما حمل الناس على أن يكونوا على صفة واحدة حسنة، وطريقة متحدة مستحسنة، فذلك[135/ب] من المحال ومما لا يوجبه الله على البشر لضعف الحال، قال عز وجل لنبيه صلوات الله عليه: {فذكر إنما أنت مذكر ، لست عليهم بمسيطر، إلا من تولى وكفر، فيعذبه الله العذاب الأكبر، إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا حسابهم} وإما على الأئمة التبليغ إلى العباد، والعدل الذي هو عمارة البلاد، والأخذ على أيدي أهل الفساد، وتجنيد الأجناد، على أهل البغي والتمرد والعناد، والحث على الواجبات وإظهار الشرايع البينات، ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} {وما على الرسول إلا البلاغ المبين } وقال السيد في هذا الاعتراض ما لفظه: وكان الجهاد قد صار حجرا محجورا، والأخذ على الظالم قد صار شيئا منكورا، ودليل ذلك هذه الجهة التي نحن فيها، وما نصاليها والقليل يدل على الكثير، فإن كان لنا سبع سنين نهتف بهم ينظرون فيما أوجب الله فلم يلتفتوا إلى ذلك ولم يعرجوا إلى ما هنالك، فيقال له يا سبحان الله ما أعجب الحال وأيسر المقال، وتشديد الملام إلى الغير، وكأنك لا تكليف عليك، أو لا حق يلزمك ويتوجه خطابه إليك، فهل لا إن كان لك عزيمة وصرامة، وغضب للدين وأهله وشهامة، ومحبة الخير وصلاح المسلمين، ورغبة الجهاد في سبيل رب العالمين، فلم لم تحضر عند إمامك، وتعينه بلسانك وحسامك وتؤازر بجدك وجهدك وتشحذ الهمة في إعلاء كلمة الحق والإعلان بالصدق، ولم جاز لك في دينك أن تؤثر على ذلك السكون والدعة في بلاد أهلها وما أشرت إليهم، وحالهم معروف معلوم، لا يقام فيها حق إلا بجواز، ولا يؤخذ فيها على يد ظالم، ولا ينهى فيها عن منكر، أكثر أحكام أهلها أحكام الجاهلية، وأفعالهم القبيحة غير خافية، فما الذي أباح لك البقاء بينهم والاختلاط بهم فهلا هاجرت عنها أو تحولت منها أو أفرغت جهدا في صلاح أهلها وإرشاد ظالها بل لم يكن همك لما حدث ذلك الحادث في خولان الذي لم يكن إلا لدفع التظالم وكف المآثم، والتأديب لأهل الجرايم، بإجرامهم والانتصاف للمظلومين من ظالمهم، وإدخال المتمرد تحت الطاعة لله سبحانه وحكمه، إلا أن توجهك لدفع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والاستعانة عليهم بأهل الجهة الذين ساكنتهم الذين هم بالصفة، الذين وصفتهم وجمعتهم لصد أهل الحق ولم يكن منك الوقوف بينهم والمساكنة لهم إلا للتربص لمثل هذه الفرصة التي جعلتها ذريعة لإظهار الكامن ونكث العهود والبيعة والتهاون بها وبأمرها وأي تهاون، وذلك [136/أ] عند الله عظيم، وخطرجسيم، وكان الأهم المقدم إرشادهم إن أمكن الارشاد ولمن خلفهم من أهل تلك البلاد الذين لم يعرفوا معروفا، ولا ينكروا منكرا أو الهجرة عن تلك الديار، والمفارقة لتلك الأقطار فلا تقعدوا معهم إنكم إذا مثلهم، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار، وقال : ((لا يحل لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنقتل )) فإن زعم إن له عذرا في مساكنة الظالمين، فليظهر العذر ويتبين، فإن الظاهر عدم العذر المبح وانى ذلك العذر الصحيح، وقد سلم الإمام المتوكل على الله (أيده الله) الإمامة كما صرح به تسليم راض، والتزم طاعته وأحكامه وقال فها أنذا ساير تحت لواه، مهتد بهداه، لازم أحكام الطاعة، داخل جمعته والجماعة، كما ذلك وغيره بخطه موجود، وكلامه بذلك بين رؤوس الناس مشهود، فما عذر من قال بإمامه إمام أن لا يهاجر إليه ويجاهد بين يديه وليس من المستضعفين ولا المعذورين، إلا أن يكون ذلك العذر التربص لمواثبة الفرص وتتبع الرخص، وليت شعري كيف هذه الإمامة التي تكون على هذا الحال ويوثب عليها التوثب ويتهافت عليها هذا التهافت، وكيف هذا الحل لها والعقد مرة بعد أخرى؟ يل متى عن له عان عقدها، ومتى ذهب ذلك حلها ثم عقدها؟ لا لموجب شرعي، ولا لنظر صحيح مرعي، ولا لحالة تجددت، ولا لحادثة حدثت، وما هذا الحل والعقد وما حكم ذلك العهد، وذلك المحضر والمشهد وما الذي وسعه عند الله إن ينكث المبايعة والعقد وهل ذلك إلا أشبه شيء ما باللعب ومناقضة تستدل ببعضها على بعض بالكذب، فهل يسع ذا بصيرة الدخول في مثلها أو عاقل يدخل تحته حكمها ؟ فمن هذا الذي يقلد دينه من هذه صفته أو يؤتم بمن هذه حالته يأبى الله ذلك والمسلمين، فإنه ما احدث الخلل وناقض الأعمال إلا التفرق واختلاف الأهواء، والمعارضات التي أوهت باب الجهاد، ورضى بها معها باستقامة الحال وحفظ رأس المال، وإلا فإن آل محمد صلوات الله عليهم الذين في هذا القطر لو كانوا جميعا يدا واحدة على حالة متحدة وسلموا مثل هذه الثوابت واستقاموا على الحمية لمذهبهم، وسابقوا إلى طاعة إمامهم، وحفظ منصبهم وشحذوا هممهم لنصرة الدين واجتمعت أيديهم إلى القيام بأمور المسلمين لقد وسعوا النطاق، وتملكوا الآفاق وأرضوا الخلاق، فالله المستعان إلى متى تبقون على هذه وتهملوا أمة جدهم هذا الإهمال؟
اللهم إنا نشكوا غيبة [136/ب] نبينا وكثرة عدونا وتفرق أهوائنا فنسألك الله نصرا تعجله، وسلطان حق تظهره، تعز به أوليائك، وتدمر به أعداءك، بحق محمد وآله .
Página 569