Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
[القصص: 56] أي: من لا أريد هدايته، وهذا معنى قوله تعالى: { من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } [التوبة: 113] أي: المردودون من أهل البعد؛ يعني: ليس للأنبياء والأولياء تبديل خلق الله ولا تبديل لكلمات الله، فمن حكمت المشيئة الأزلية والحكمة الإلهية بشقاوته لا ينفعه استغفار المستغفرين ولا شفاعة الشافعين، كما لم ينفعه إنذار المنذرين وعدوة النبيين، ومن اقتضت الحكمة الإلهية والإرادة الأزلية سعادته فإنه تنفعه الشفاعة والإنذار والهداية، كما قال تعالى:
وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم
[الشورى: 52] أي: للمقبولين من أهل القربة والكرامة.
ثم اعتذر عن استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه فقال تعالى: { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدهآ إياه } [التوبة: 114] يعني: استدل إبراهيم بمواعدة أبيه أن يكون أبوه من المقبولين فينفعه استغفاره فاستغفره ربه، { فلما تبين له أنه عدو لله } [التوبة: 114] أي: المردودين، { تبرأ منه } [التوبة: 114] وتولى إلى الله تعالى.
{ إن إبراهيم لأواه حليم } [التوبة: 114] الأواه المتبرئ من المخلوقات؛ لكثرة نيل المواجيد والكرامات، فيكون لضيق البشرية تولاه مولاه، فمهما ورد له وارد الحق ضاق عليه نطاق الخلق فيتأوه عند تنفس القلب المضطر من الخلق إلى الحق ويفر من الخلق ويفر إلى الحق ملحا من جلدة الإنسانية منفردا للفردانية متوحدا للوحدانية، حليم عما أصابه من الخلق للحق، فلا رجوع من الحق إلى الخلق بحال من الأحوال، كما قال لجبريل عليه السلام: ابتلاه الله به في الهواء، لما ألقى بالمنجنيق إلى النار عند قوله: " ألك حاجة " كيف أرجع من الحق في تلك الحالة لمقال: أما إليك فلا.
{ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم } [التوبة: 115] يعني: إذ هداهم بالتوحيد والتفريد إلى الوحدانية والفردانية لا يردهم بالمكر إلا إلى الإثنينية والبعد، { حتى يبين لهم ما يتقون } [التوبة: 115] من آفات البشرية وعاهات خصائص الدنيوية التي رأس كل خطيئة وبلية، فإذا لم يحترزوا عنها ووقعوا فيها بعيدا بالاستدراج إلى ما خرجوا منها بالوجد من لوث الوجود من حيث لا يعلمون، وهذا يدل على الحور بعد الكور نعوذ بالله منه.
وفيه إشارة أخرى وهي أن الله تعالى بعد إذ هداهم بالإفناء عن الوجود إلى البقاء من الحق لا يردهم إلى بقاء البقاء وهو الإثبات بعد المحو، والصحو بعد السكر، وقد سماه المشايخ الإثبات الثاني، حتى يتبين لهم ما يتقون من الأعمال والأفعال والأقوال رعاية لتلك الأحوال.
{ إن الله بكل شيء } [التوبة: 115] من الآفات المفسدة للأحوال وبكل شيء من المرامات لمصلحة الحال، { عليم } [التوبة: 115] يلهم بها القلوب الحاضرة ويسمع بها الآذان الواعية، { إن الله له ملك السموت والأرض } [التوبة: 116] تلك القدرة والإيجاد عليهما وما فيهما، { يحيي } [التوبة: 116] بنور ربوبيته من يشاء، { ويميت } [التوبة: 116] عن صفات بشريته من يشاء، { وما لكم من دون الله من ولي } [التوبة: 116] يعطيكم الولاية، { ولا نصير } [التوبة: 116] ينصركم عن الظفر بنفوسكم للهداية، فلا يشغلكم طلب الملك عن المالك، فإن طالب الملك لا يجدي المالك ولا يبقي الملك معه، طالب الملك لا يجد الملك ولا المالك وطالب المالك يجد الملك والمالك جميعا.
[9.117-121]
ثم أخبر عن تأثير عنايته وآثار هدايته بقوله تعالى: { لقد تاب الله على النبي } [التوبة: 117] إلى قوله: { وكونوا مع الصادقين } [التوبة: 119]، { لقد تاب الله على النبي } أي: تاب عليه في الأزل قبل أن يذنب، وإذا وقعت التوبة من الله قبل الذنب فيكون الذنب قبل أن يقع مغفورا، يدل عليه قوله تعالى:
Página desconocida